وكذلك يقف المشركين في مكة أمام مصارع أسلافهم من أمثالهم ؛ فيقفهم أمام مصيرهم هم أنفسهم . ثم أمام الخط الثابت المطرد المتصل . خط الرسالة القائمة على أصلها الواحد الذي لا يتغير وخط السنة الإلهية التي لا تتحول ولا تتبدل . وتبدو شجرة العقيدة عميقة الجذور ، ممتدة الفروع ضاربة في أعماق الزمان ؛ واحدة على اختلاف القرون واختلاف المكان .
« وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ - وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ - أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ . إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ »
. .
وأخو عاد هو هود - عليه السلام - يذكره القرآن هنا بصفته . صفة الأخوة لقومه . ليصور صلة الود بينه وبينهم ، وصلة القرابة التي كانت كفيلة بأن تعطفهم إلى دعوته ، وتحسن ظنهم بها وبه . وهي ذات الصلة بين محمد - صلى اللّه عليه وسلم - وقومه الذين يقفون منه موقف الملاحاة والخصومة .
والأحقاف جمع حقف . وهو الكثيب المرتفع من الرمال . وقد كانت منازل عاد على المرتفعات المتفرقة في جنوب الجزيرة - يقال في حضر موت .
واللّه - سبحانه - يوجه نبيه - صلى اللّه عليه وسلم - أن يذكر أخا عاد وإنذاره لقومه بالأحقاف . يذكره ليتأسى بأخ له من الرسل لقي مثلما يلقى من إعراض قومه وهو أخوهم . ويذكره ليذكر المشركين في مكة بمصير الغابرين من زملائهم وأمثالهم ، على مقربة منهم ومن حولهم .
وقد أنذر أخو عاد قومه ، ولم يكن أول نذير لقومه . فقد سبقته الرسل إلى أقوامهم . .
« وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ »
. .
قريبا منه وبعيدا عنه في الزمان وفي المكان . فالنذارة متصلة ، وسلسلة الرسالة ممتدة . والأمر ليس بدعا ولا غريبا . فهو معهود مألوف .
أنذرهم - ما أنذر به كل رسول قومه - :
« أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ . إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ »
. .
وعبادة اللّه وحده عقيدة في الضمير ومنهج في الحياة ؛ والمخالفة عنها تنتهي إلى العذاب العظيم في الدنيا أو في الآخرة ، أو فيهما على السواء . والإشارة إلى اليوم
« عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ »
. . تعني حين تطلق يوم القيامة وهو أشد وأعظم .
فما ذا كان جواب قومه على التوجيه إلى اللّه ، والإنذار بعذابه ؟
« قالُوا : أَ جِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا ؟ فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ! »
. .
سوء الظن وعدم الفهم ، والتحدي للنذير ، واستعجال العذاب الذي ينذرهم به ، والاستهزاء والتكذيب .
وإصرار على الباطل واعتزاز ! فأما هود النبي فيتلقى هذا كله في أدب النبي ، وفي تجرده من كل ادعاء ، وفي الوقوف عند حده لا يتعداه :
« قالَ : إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ . وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ . وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ »
. .
إنما أنذركم بالعذاب كما كلفت أن أنذركم . ولست أعلم متى يحين موعده ، ولا كيف يكون شكله .
فعلم ذلك عند اللّه . وإنما أنا مبلغ عن اللّه . لا أدعي علما ولا قدرة مع اللّه . .
« وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ »
وتحمقون . وأية حماقة وأي جهل أشد من استقبال النذير الناصح والأخ القريب بمثل هذا التحدي والتكذيب ؟