« وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى »
. .
والشعري نجم أثقل من الشمس بعشرين مرة ، ونوره خمسون ضعف نور الشمس . وهي أبعد من الشمس بمليون ضعف بعد الشمس عنا .
وقد كان هناك من يعبد هذا النجم . وكان هناك من يرصده كنجم ذي شأن . فتقرير أن اللّه هو رب الشعرى له مكانه في السورة التي تبدأ بالقسم بالنجم إذا هوى ؛ وتتحدث عن الرحلة إلى الملأ الأعلى ؛ كما تستهدف تقرير عقيدة التوحيد ، ونفي عقيدة الشرك الواهية المتهافتة .
وبهذا تنتهي تلك الجولة المديدة في الأنفس والآفاق ، لتبدأ بعدها جولة في مصارع الغابرين ، بعد ما جاءتهم النذر فكذبوا بها كما يكذب المشركون . وهي جولة مع قدرة اللّه ومشيئته وآثارها في الأمم قبلهم واحدة واحدة .
« وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى . وَثَمُودَ فَما أَبْقى . وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى . وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى . فَغَشَّاها ما غَشَّى . فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى ؟ »
إنها جولة سريعة . تتألف من وقفة قصيرة على مصرع كل أمة ، ولمسة عنيفة تخز الشعور وخزا .
وعاد وثمود وقوم نوح يعرفهم قارئ القرآن في مواضع شتى ! والمؤتفكة هي أمة لوط . من الإفك والبهتان والضلال . . وقد أهواها في الهاوية وخسف بها
« فَغَشَّاها ما غَشَّى »
. . بهذا التجهيل والتضخيم والتهويل ، الذي تتراءى من خلاله صور الدمار والخسف والتنكيل ، الذي يشمل كل شيء ويغشاه فلا يبين !
« فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى ؟ »
. .
فلقد كانت إذن تلك المصارع آلاء للّه وأفضالا . ألم يهلك الشر ؟ ألم يقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ؟ ألم يترك فيها آيات لمن يتدبر ويعي ؟ أليست هذه كلها آلاء . فبأي آلاء ربك تتمارى ! الخطاب لكل أحد . ولكل قلب ، ولكل من يتدبر صنع اللّه فيرى النعمة حتى في البلوى ! وعلى مصارع الغابرين المكذبين بالنذر - بعد استعراض مظاهر المشيئة وآثارها في الأنفس والآفاق - يلقي بالإيقاع الأخير قويا عميقا عنيفا . كأنه صيحة الخطر قبيل الطامة الكبرى :
« هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى . أَزِفَتِ الْآزِفَةُ . لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ »
. .
هذا الرسول الذي تتمارون في رسالته وفي نذارته . هذا نذير من النذر الأولى التي أعقبها ما أعقبها ! وقد أزفت الآزفة . واقتربت كاسحة جارفة . وهي الطامة والقارعة التي جاء هذا النذير يحذركم إياها أو هو هول العذاب الذي لا يعلم إلا اللّه نوعه وموعده . ولا يملك إلا اللّه كشفه ودفعه :
« لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ »
. .
وبينما الخطر الداهم قريب . والنذير الناصح يدعوكم إلى النجاة . إذا أنتم سادرون لاهون لا تقدرون الموقف ولا تفيقون .
« أَ فَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ ؟ وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ ؟ وَأَنْتُمْ سامِدُونَ . . . »
. .
وهذا الحديث جد عظيم يلقي على كاهل الناس واجبات ضخمة وفي الوقت ذاته يقودهم إلى المنهج الكامل .
فمم يعجبون ؟ ومم يضحكون ؟ وهذا الجد الصارم ، وهذه التبعات الكبيرة ، وما ينتظر الناس من حساب على حياتهم في الأرض . . كله يجعل البكاء أجدر بالموقف الجد ، وما وراءه من الهول والكرب . .
وهنا يرسلها صيحة مدوية ، ويصرخ في آذانهم وقلوبهم ، ويهتف بهم إلى ما ينبغي أن يتداركوا به أنفسهم ، وهم على حافة الهاوية :