الكعبة بيت إبراهيم عليه السلام . ويظن أن اسمها
« اللَّاتَ »
مؤنث لفظ الجلالة « الله » . سبحانه وتعالى .
وكانت
« الْعُزَّى »
شجرة عليها بناء وأستار بنخلة - وهي بين مكة والطائف - وكانت قريش تعظمها . كما قال أبو سفيان يوم أحد . لنا العزى ولا عزى لكم . فقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « قولوا : اللّه مولانا ولا مولى لكم » . ويظن أن اسمها
« الْعُزَّى »
مؤنث « العزيز » . .
وكانت
« مَناةَ »
بالمشلل عند قديد بين مكة والمدينة . وكانت خزاعة والأوس والخزرج في جاهليتهم يعظمونها ويهلون منها للحج إلى الكعبة .
وكان بالجزيرة كثير من هذه المعبودات تعظمها القبائل المختلفة . ولكن هذه الثلاثة كانت أعظمها .
والمظنون أن هذه المعبودات كانت رموزا لملائكة يعتبرهن العرب إناثا ويقولون : إنهن بنات اللّه . ومن هنا جاءت عبادتها ، والذي يقع غالبا أن ينسى الأصل ، ثم تصبح هذه الرموز معبودات بذاتها عند جمهرة العباد .
ولا تبقى إلا قلة متنورة هي التي تذكر أصل الأسطورة ! فلما ذكر اللّه هذه المعبودات الثلاثة معجّبا منها ومن عبادتها كما تفيد صيغة السؤال ولفظه :
« أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى . وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى ؟ »
. .
والتعجيب والتشهير واضح في افتتاح السؤال :
« أَ فَرَأَيْتُمُ ؟ »
وفي الحديث عن مناة . . الثالثة الأخرى . .
لما ذكر اللّه هذه المعبودات عقب عليها باستنكار دعواهم أن للّه الإناث وأن لهم الذكور :
« أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى ؟ تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى »
. .
مما يوحي بأن لهذه المعبودات صلة بأسطورة أنوثة الملائكة ، ونسبتها إلى اللّه سبحانه . مما يرجح ما ذكرناه عنها . وقد كانوا هم يكرهون ولادة البنات لهم . ومع هذا لم يستحيوا أن يجعلوا الملائكة إناثا - وهم لا يعلمون عنهم شيئا يلزمهم بهذا التصور . وأن ينسبوا هؤلاء الإناث إلى اللّه ! واللّه - سبحانه - يأخذهم هنا بتصوراتهم وأساطيرهم ؛ ويسخر منها ومنهم :
« أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى ؟ »
. .
إنها إذن قسمة غير عادلة قسمتكم بين أنفسكم وبين اللّه !
« تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى ! »
. .
والمسألة كلها وهم لا أساس له من العلم ولا من الواقع . ولا حجة فيها ولا دليل :
« إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ . إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ . وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى »
! هذه الأسماء . اللات . العزى . مناة . . وغيرها . وتسميتها آلهة وتسميتها ملائكة . وتسمية الملائكة إناثا .
وتسمية الإناث بنات اللّه . . . كلها أسماء لا مدلول لها ، ولا حقيقة وراءها . ولم يجعل اللّه لكم حجة فيها .
وكل ما لم يقرره اللّه فلا قوة فيه ولا سلطان له . لأنه لا حقيقة له . وللحقيقة ثقل . وللحقيقة قوة . وللحقيقة سلطان فأما الأباطيل فهي خفيفة لا وزن لها . ضعيفة لا قوة لها . مهينة لا سلطان فيها .
وفي منتصف الآية يتركهم وأوهامهم وأساطيرهم ، ويترك خطابهم ، ويلتفت عنهم كأنهم لا وجود لهم ، ويتحدث عنهم بصيغة الغائب :
« إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ »
. . فلا حجة ولا علم ولا يقين . إنما هو الظن يقيمون عليه العقيدة ، والهوى يستمدون منه الدليل . والعقيدة لا مجال فيها للظن والهوى ؛ ولا بد فيها من اليقين القاطع والتجرد من الهوى والغرض . . وهم لم يتبعوا الظن والهوى ولهم عذر أو علة :
« وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى »
. . فانقطع العذر وبطل التعلل !