تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3401

مساهمون:

ص٣٤٠١
ويعود يواجههم بحقيقة وجودهم ووضعهم في هذا الوجود . فهم عبيد لهم حدود . مكشوف لهم من هذا الوجود بقدر . محجوب عنهم ما وراءه ، مما يختص به صاحب هذا الوجود . فهنالك غيب من اختصاص اللّه يقف دونه العبيد ، لا علم لهم به ، لأنهم عبيد :
« أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ؟ »
. . وهم يعلمون أن ليس عندهم الغيب ، وأن ليس لهم به علم ، وأن ليس لهم عليه قدرة . وأنهم لا يكتبون في سجل الغيب شيئا ، إنما يكتب اللّه فيه ما يريد ، مما يقدره للعبيد . والذي يملك أمر الغيب وما يقدر فيه وما يدبر ، هو الذي يملك أن يدبر فيه وأن يكيد . فما لهم وهم عن الغيب محجوبون ، وفي سجله لا يكتبون يكيدون لك ويدبرون ، ويحسبون أنهم قادرون على شيء من أمر المستقبل : فيقولون : شاعر نتربص به ريب المنون ؟ !
« أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً ؟ فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ »
! وهم الذين يحيق بهم ما يقدره صاحب الغيب لهم ، وهم الذين يقع عليهم كيده ومكره . واللّه خير الماكرين .
« أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ ؟ »
. . يقيهم ويتولاهم ويرد عنهم كيد اللّه . .
« سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ »
وتنزه - سبحانه - عن تصورهم الباطل السقيم ! وبهذا التنزيه للّه سبحانه عن الشرك والشركاء تختم هذه الحملة المتلاحقة الخطى ، القوية الإيقاع . وقد انكشفت كل شبهة ، ودحضت كل حجة ، ووقف القوم أمام الحقيقة العارية مجردين من كل عذر ومن كل دليل . عندئذ يقدمهم على حقيقتهم معاندين مكابرين يمارون في الحق الواضح ، متمسكين بأدنى شبهة من بعيد :
« وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا : سَحابٌ مَرْكُومٌ »
. . أي إنه إذا أرسل عليهم العذاب في صورة قطعة من السماء تسقط عليهم وفيها الهلاك ، قالوا وهم يرونها تسقط :
« سَحابٌ مَرْكُومٌ »
. . فيه الماء والحياة ! عنادا منهم أن يسلموا بالحق ، ولو كان السيف على رقابهم كما يقولون ! ولعله يشير بهذا إلى قصة عاد . وقولهم حين رأوا سحابة الموت والدمار :
« عارِضٌ مُمْطِرُنا »
. . حيث كان الرد :
« بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ : رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها »
. . وعند هذا الحد من تصوير عنادهم ومكابرتهم في الحق ، ولو كان فوق رؤوسهم الهلاك ، يتجه بالخطاب إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - لينفض يده من أمرهم ، ويدعهم لليوم الذي ورد ذكره ووصفه في أول السورة . وللعذاب الذي ينتظرهم من قبله . وأن يصبر لحكم ربه الذي يعزه ويرعاه ويكلؤه . وأن يسبح بحمد ربه في الصباح حين يقوم ، ومن الليل ، وعند إدبار النجوم :
« فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ . يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ . وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ . وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا ، وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ . وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ »
. . وهو شوط جديد في الحملة يبدأ بالتهديد ، بذلك اليوم الرعيب ، يوم ينفخ في الصور فيصعقون . - قبيل البعث والنشور - يوم لا ينفعهم تدبير ولا ينصرهم نصير . فإذا كانوا اليوم يكيدون ويدبرون ، فهم في ذلك