في الظهور . وهي حركة غليظة تليق بالخائضين اللاعبين ، الذين لا يجدّون ، ولا ينتبهون إلى ما يجري حولهم من الأمور . فيساقون سوقا ويدفعون في ظهورهم دفعا .
حتى إذا وصل بهم الدفع والدع إلى حافة النار قيل لهم :
« هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ ! »
. .
وبينما هم في هذا الكرب ، بين الدع والنار التي تواجههم على غير إرادة منهم . يجيئهم الترذيل والتأنيب ، والتلميح إلى ما سبق منهم من التكذيب :
« أَ فَسِحْرٌ هذا ؟ أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ ؟ »
. فقد كانوا يقولون عن القرآن :
إنه سحر . فهل هذه النار التي يرونها كذلك سحر ؟ ! أم إنه الحق الهائل الرعيب ؟ أم إنهم لا يبصرون هذه النار كما كانوا لا يبصرون الحق في القرآن الكريم ؟ ! وحين ينتهي هذا التأنيب الساخر المرير يعاجلهم بالتيئيس البئيس .
« اصْلَوْها . فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا . سَواءٌ عَلَيْكُمْ . إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ »
. .
وليس أقسى على منكوب بمثل هذه النكبة . من أن يعلم أن الصبر وعدم الصبر سواء . فالعذاب واقع ، ما له من دافع . وألمه واحد مع الصبر ومع الجزع . والبقاء فيه مقرر سواء صبر عليه أم هلع . . والعلة أنه جزاء على ما كان من عمل . فهو جزاء له سببه الواقع فلا تغيير فيه ولا تبديل ! وبذلك ينتهي هذا المشهد الرعيب ؛ كما ينتهي الشوط الأول بإيقاعه العنيف .
أما الشوط الثاني فهو مثير للحس ، ولكن بما فيه من رخاء ورغد ، وهتاف بالمتاع لا يقاوم ، وبخاصة بعد مشهد العذاب البئيس :
« إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ . فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ ، وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ . كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ . وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ ، أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ، وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ، كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ . وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ، يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ . وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ . وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ . قالُوا : إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ ؛ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ . إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ ، إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ »
. .
والمشهد أقرب إلى مشاهد النعيم الحسي ، الذي يخاطب المشاعر في أول العهد ، والذي يجتذب النفوس بلذائذ الحس في صورتها المصفاة . وهو مقابل لذلك العذاب الغليظ الذي تواجه به القلوب الجاسية والقلوب اللاهية كذلك :
« إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ . فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ ، وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ »
. .
ومجرد الوقاية من عذاب الجحيم الذي عرضت مشاهده في هذه السورة فضل ونعمة . فكيف ومعه
« جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ »
؟ وهم يلتذون ما آتاهم ربهم ويتفكهون ؟
ومع النعيم ولذته التهنئة والتكريم :
« كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ »
. .
وهذا بذاته متاع أكرم . وهم ينادون هذا النداء العلوي ، ويعلن استحقاقهم لما هم فيه :
« مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ »
. . منسقة يجدون فيها لذة التجمع بإخوانهم في هذا النعيم :
« وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ