« وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً . وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا ، لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ »
وقد كرر القرآن الإشارة إلى الصلة بين القرآن والكتب قبله ، وبخاصة كتاب موسى ، باعتبار أن كتاب عيسى تكملة وامتداد له . وأصل التشريع والعقيدة في التوراة . ومن ثم سمى كتاب موسى
« إِماماً »
ووصفه بأنه رحمة . وكل رسالة السماء رحمة للأرض ومن في الأرض ، بكل معاني الرحمة في الدنيا وفي الآخرة . .
« وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا »
. . مصدق للأصل الأول الذي تقوم عليه الديانات كلها ؛ وللمنهج الإلهي الذي تسلكه الديانات جميعها ؛ وللاتجاه الأصيل الذي توجه البشرية إليه ، لتتصل بربها الواحد الكريم .
والإشارة إلى عروبته للامتنان على العرب ، وتذكيرهم بنعمة اللّه عليهم ، ورعايته لهم ، وعنايته بهم ؛ ومظهرها اختيارهم لهذه الرسالة ، واختيار لغتهم لتتضمن هذا القرآن العظيم .
ثم بيان لطبيعة الرسالة ، ووظيفتها :
« لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ »
. .
وفي نهاية هذا الشوط الأول يصور لهم جزاء المحسنين ، ويفسر لهم هذه البشرى التي يحملها إليهم القرآن الكريم ، بشرطها ، وهو الاعتراف بربوبية اللّه وحده والاستقامة على هذا الاعتقاد ومقتضياته :
« إِنَّ الَّذِينَ قالُوا : رَبُّنَا اللَّهُ . ثُمَّ اسْتَقامُوا . فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ . أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ، جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ »
. .
وقولة :
« رَبُّنَا اللَّهُ »
. . ليست كلمة تقال . بل إنها ليست مجرد عقيدة في الضمير . إنما هي منهج كامل للحياة ، يشمل كل نشاط فيها وكل اتجاه ، وكل حركة وكل خالجة ؛ ويقيم ميزانا للتفكير والشعور ، وللناس والأشياء ، وللأعمال والأحداث ، وللروابط والوشائج في كل هذا الوجود .
« رَبُّنَا اللَّهُ »
فله العبادة ، وإليه الاتجاه . ومنه الخشية وعليه الاعتماد .
« رَبُّنَا اللَّهُ »
فلا حساب لأحد ولا لشيء سواه ، ولا خوف ولا تطلع لمن عداه .
« رَبُّنَا اللَّهُ »
فكل نشاط وكل تفكير وكل تقدير متجه إليه ، منظور فيه إلى رضاه .
« رَبُّنَا اللَّهُ »
فلا احتكام إلا إليه ، ولا سلطان إلا لشريعته ، ولا اهتداء إلا بهداه .
« رَبُّنَا اللَّهُ »
فكل من في الوجود وكل ما في الوجود مرتبط بنا ونحن نلتقي به في صلتنا باللّه .
« رَبُّنَا اللَّهُ »
. . منهج كامل على هذا النحو ، لا كلمة تلفظها الشفاه ، ولا عقيدة سلبية بعيدة عن واقعيات الحياة .
« ثُمَّ اسْتَقامُوا »
. . وهذه أخرى . فالاستقامة والاطراد والثبات على هذا المنهج درجة بعد اتخاذ المنهج :
استقامة النفس وطمأنينة القلب . استقامة المشاعر والخوالج ، فلا تتأرجح ولا تضطرب ولا تشك ولا ترتاب بفعل الجواذب والدوافع والمؤثرات . وهي عنيفة ومتنوعة وكثيرة . واستقامة العمل والسلوك على المنهج المختار .
وفي الطريق مزالق وأشواك ومعوقات ؛ وفيه هواتف بالانحراف من هنا ومن هناك !
« رَبُّنَا اللَّهُ »
. . منهج . . والاستقامة عليه درجة بعد معرفته واختياره . والذين يقسم اللّه لهم المعرفة والاستقامة هم الصفوة المختارة . وهؤلاء
« فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ »
. . وفيم الخوف وفيم الحزن . . والمنهج واصل .
والاستقامة عليه ضمان الوصول ؟