تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3353

مساهمون:

ص٣٣٥٣
فأنا أعرف اليوم - وللّه الحمد والمنة - أنه ليس هناك جهد غبين فكل جهد مجزي . وليس هناك تعب ضائع فكل تعب مثمر . وأن المصير مرض وأنه بين يدي عادل رحيم . وأنا أشعر اليوم - وللّه الحمد والمنة - أن الكون لا يقف تلك الوقفة البائسة أبدا ؛ فروح الكون تؤمن بربها ، وتتجه إليه ، وتسبح بحمده . والكون يمضي وفق ناموسه الذي اختاره اللّه له ، في طاعة وفي رضى وفي تسليم ! وهذا كسب ضخم في عالم الشعور وعالم التفكير ، كما أنه كسب ضخم في عالم الجسد والأعصاب ، فوق ما هو كسب ضخم في جمال العمل والنشاط والتأثر والتأثير . والإيمان - بعد - قوة دافعة وطاقة مجمعة . فما تكاد حقيقته تستقر في القلب حتى تتحرك لتعمل ، ولتحقق ذاتها في الواقع ، ولتوائم بين صورتها المضمرة وصورتها الظاهرة . كما أنها تستولي على مصادر الحركة في الكائن البشري كلها ، وتدفعها في الطريق . . « ذلك سر قوة العقيدة في النفس ، وسر قوة النفس بالعقيدة . سر تلك الخوارق التي صنعتها العقيدة في الأرض وما تزال في كل يوم تصنعها . الخوارق التي تغير وجه الحياة من يوم إلى يوم ، وتدفع بالفرد وتدفع بالجماعة إلى التضحية بالعمر الفاني المحدود في سبيل الحياة الكبرى التي لا تفنى ؛ وتقف بالفرد القليل الضئيل أمام قوى السلطان وقوى المال وقوى الحديد والنار ، فإذا هي كلها تنهزم أمام العقيدة الدافعة في روح فرد مؤمن . وما هو الفرد الفاني المحدود الذي هزم تلك القوى جميعا ، ولكنها القوة الكبرى الهائلة التي استمدت منها تلك الروح ، والينبوع المتفجر الذي لا ينضب ولا ينحسر ولا يضاعف » « 1 » . « تلك الخوارق التي تأتي بها العقيدة الدينية في حياة الأفراد وفي حياة الجماعات لا تقوم على خرافة غامضة ، ولا تعتمد على التهاويل والرؤى . إنها تقوم على أسباب مدركة وعلى قواعد ثابتة . إن العقيدة الدينية فكرة كلية تربط الإنسان بقوى الكون الظاهرة والخفية ، وتثبت روحه بالثقة والطمأنينة ، وتمنحه القدرة على مواجهة القوى الزائلة والأوضاع الباطلة ، بقوة اليقين في النصر ، وقوة الثقة في اللّه . وهي تفسر للفرد علاقاته بما حوله من الناس والأحداث والأشياء ، وتوضح له غايته واتجاهه وطريقه ، وتجمع طاقاته وقواه كلها ، وتدفعها في اتجاه . ومن هنا كذلك قوتها . قوة تجميع القوى والطاقات حول محور واحد ، وتوجيهها في اتجاه واحد ، تمضي إليه مستنيرة الهدف ، في قوة ، وفي ثقة ، وفي يقين » « 2 » . ويضاعف قوتها أنها تمضي مع الخط الثابت الذي يمضي فيه الكون كله ظاهره وخافيه . وأن كل ما في الكون من قوى مكنونة تتجه اتجاها إيمانيا ، فيلتقي بها المؤمن في طريقه ، وينضم إلى زحفها الهائل لتغليب الحق على الباطل . مهما يكن للباطل من قوة ظاهرة لها في العيون بريق ! وصدق اللّه العظيم :
« يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا . قُلْ : لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ . بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ »
. فهي المنة الكبرى التي لا يملكها ولا يهبها إلا اللّه الكريم ، لمن يعلم منه أنه يستحق هذا الفضل العظيم . وصدق اللّه العظيم . فما ذا فقد من وجد الأنس بتلك الحقائق والمدركات وتلك المعاني والمشاعر ؟ وعاش بها ومعها ، وقطع رحلته على هذا الكوكب في ظلالها وعلى هداها ؟ وما ذا وجد من فقدها ولو تقلب في أعطاف
هامش
( 1 ) مقتطفات من فصل : « العقيدة والحياة » في كتاب : « السلام العالمي والإسلام » . ( 2 ) المصدر السابق .