تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3217

مساهمون:

ص٣٢١٧
« إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ . فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ . كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ . يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ . لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ . فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ . ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ »
. . ويبدأ المشهد بعرض لشجرة الزقوم ، بعد تقرير أنها طعام الأثيم . عرض مفزع مرعب مخيف . إن هذا الطعام مثل دردي الزيت المغلي - وهو المهل - يغلي في البطون كغلي الحميم . وهناك هذا الأثيم . هذا المتعالي على ربه وعلى الرسول الأمين . وهذا هو الأمر العالي يصدر إلى الزبانية ليأخذوه في عنف يليق بمقامه
« الْكَرِيمُ ! »
:
« خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ . ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ »
. . « خذوه أخذا واعتلوه عتلا ، وشدوه في إهانة وجفوة فلا كرامة ولا هوادة . وهناك صبوا فوق رأسه من ذلك الحميم المغلي الذي يشوي ويكوي . ومع الشد والجذب والدفع والعتل والكي والشيء . . التأنيب والترذيل :
« ذُقْ . إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ »
. . وهذا جزاء العزيز الكريم في غير ما عزة ولا كرامة ، فقد كان ذلك على اللّه وعلى المرسلين !
« إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ »
. . فقد كنتم تشكون في هذا اليوم كما كنتم تسخرون وتستهزئون ! وبينما الأخذ والعتل ، والصب والكي ، والتأنيب والخزي . . في جانب من جوانب الساحة . . يمتد البصر - بعين الخيال - إلى الجانب الآخر . فإذا « المتقون » الذين كانوا يخشون هذا اليوم ويخافون . إذا هم :
« فِي مَقامٍ أَمِينٍ »
. . لا خوف فيه ولا فزع ، ولا شد فيه ولا جذب ، ولا عتل فيه ولا صب ! بل هم منعمون رافلون
« فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ »
. . يلبسون من سندس - وهو الحرير الرقيق - ومن إستبرق - وهو الحرير السميك - ويجلسون متقابلين في مجالسهم يسمرون . كل ذلك ومثله تزويجهم بحور عين ، يتم بهن النعيم . وهم في الجنة أصحاب الدار ، يطلبون ما يشاءون و
« يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ »
. . لا يتوقعون نهاية لهذا النعيم ، فلا موت هنالك وقد ذاقوا الموتة الأولى ، وغيرها لا يذوقون . . ( وذلك في مقابل ما كان المشركون يقولون :
« إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ »
. . فنعم إنها الموتة الأولى ولكن وراءها الجحيم والنعيم ) .
« وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ »
. . تفضلا منه سبحانه . فالنجاة من العذاب لا تكون إلا بفضله ورحمته :
« فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ . ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ »
. . وأي فوز عظيم ؟ ! وفي ظل هذا المشهد العنيف العميق المؤثر بجانبيه تختم السورة بالتذكير بنعمة الرسالة والتخويف من عاقبة التكذيب :
« فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ . فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ »
. . وهو ختام يلخص جو السورة وظلها . ويتناسق مع بدئها وخط سيرها . فقد بدأت بذكر الكتاب وتنزيله للإنذار والتذكير ، وورد في سياقها ما ينتظر المكذبين .
« يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ »
. . فجاء هذا الختام يذكرهم بنعمة اللّه في تيسير هذا القرآن على لسان الرسول العربي الذي يفهمونه ويدركون معانيه . ويخوفهم العاقبة والمصير ، في تعبير ملفوف . ولكنه مخيف :
« فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ »
. .
في ظلال القرآن — صفحة 3217 | سيد قطب