تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3181

مساهمون:

ص٣١٨١
مثل وقفتهم ، وقالوا مثل قولتهم من الغابرين . ويبدأ بتصوير سخف هذه الأسطورة وتهافتها ، ومقدار ما في القول بها من كفر صريح :
« وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً ، إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ »
. . فالملائكة عباد اللّه ، ونسبة بنوتهم له معناها عزلهم من صفة العبودية ، وتخصيصهم بقرابة خاصة باللّه ؛ وهم عباد كسائر العباد ، لا مقتضى لتخصيصهم بصفة غير صفة العبودية في علاقتهم بربهم وخالقهم . وكل خلق اللّه عباد له خالصو العبودية . وادعاء الإنسان هذا الادعاء يدمغه بالكفر الذي لا شبهة فيه :
« إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ »
. ثم يحاجهم بمنطقهم وعرفهم ، ويسخر من سخف دعواهم أن الملائكة إناث ثم نسبتهم إلى اللّه :
« أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ ؟ »
. . فإذا كان اللّه - سبحانه - متخذا أبناء ، فماله يتخذ البنات ويصفيهم هم بالبنين ؛ وهل يليق أن يزعموا هذا الزعم بينما هم يستنكفون من ولادة البنات لهم ويستاءون :
« وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ »
. . أفما كان من اللياقة والأدب ألا ينسبوا إلى اللّه من يستاءون هم إذا بشروا به ، حتى ليسود وجه أحدهم من السوء الذي يبلغ حدا يجل عن التصريح به ، فيكظمه ويكتمه وهو يكاد يتميز من السوء ؟ ! أفما كان من اللياقة والأدب ألا يخصوا اللّه بمن ينشأ في الحلية والدعة والنعومة ، فلا يقدر على جدال ولا قتال ؛ بينما هم - في بيئتهم - يحتفلون بالفرسان والمقاويل من الرجال ؟ ! إنه يأخذهم في هذا بمنطقهم ، ويخجلهم من انتقاء ما يكرهون ونسبته إلى اللّه . فهلا اختاروا ما يستحسنونه وما يسرون له فنسبوه إلى ربهم ، إن كانوا لا بد فاعلين ؟ ! ثم يحاصرهم هم وأسطورتهم من ناحية أخرى . فهم يدعون أن الملائكة إناث . فعلام يقيمون هذا الادعاء ؟
« وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً . أَ شَهِدُوا خَلْقَهُمْ ؟ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ »
. . أشهدوا خلقهم ؟ فعلموا أنهم إناث ؟ فالرؤية حجة ودليل يليق بصاحب الدعوى أن يرتكن إليه . وما يملكون أن يزعموا أنهم شهدوا خلقهم . ولكنهم يشهدون بهذا ويدعونه ، فليحتملوا تبعة هذه الشهادة بغير ما كانوا حاضريه :
« سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ »
. . ثم يتابع الفرية وما يصوغونه حولها من جدل واعتذار :
« وَقالُوا : لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ . ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ . إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ »
. . إنهم يحاولون التهرب حين تحاصرهم الحجج ، وتتهافت بين أيديهم الأسطورة . فيحيلون على مشيئة اللّه ، يزعمون أن اللّه راض عن عبادتهم للملائكة ؛ ولو لم يكن راضيا ما مكنهم من عبادتهم ، ولمنعهم من ذلك منعا ! وهذا القول احتيال على الحقيقة . فإن كل شيء يقع في هذا الوجود إنما يقع وفق مشيئة اللّه . هذا حق . ولكن من مشيئة اللّه أن جعل للإنسان قدرة على اختيار الهدى أو اختيار الضلال . وكلفه اختيار الهدى ورضيه له ، ولم يرض له الكفر والضلال . وإن كانت مشيئة أن يخلقه قابلا للهدى أو الضلال .