تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3141

مساهمون:

ص٣١٤١
من السنوات الضوئية . أي المحسوبة بسرعة الضوء ، التي تبلغ 168000 ميل في الثانية ! هذه السماوات التي عرفنا منها هذا الجانب الصغير المحدود يكدن يتفطرن من فوقهن . . من خشية اللّه وعظمته وعلوه ، وإشفاقا من انحراف بعض أهل الأرض ونسيانهم لهذه العظمة التي يحسها ضمير الكون ، فيرتعش ، وينتفض ، ويكاد ينشق من أعلى مكان فيه !
« وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ »
. . والملائكة أهل طاعة مطلقة ، فقد كانوا أولى الخلق بالطمأنينة . ولكنهم دائبون في تسبيح ربهم ، لما يحسون من علوه وعظمته ، ولما يخشون من التقصير في حمده وطاعته . ذلك بينما أهل الأرض المقصرون الضعاف ينكرون وينحرفون ؛ فيشفق الملائكة من غضب اللّه ؛ ويروحون يستغفرون لأهل الأرض مما يقع في الأرض من معصية وتقصير . ويجوز أن يكون المقصود هو استغفار الملائكة للذين آمنوا ، كالذي جاء في سورة غافر :
« الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ، وَيُؤْمِنُونَ بِهِ ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا »
. . وفي هذه الحالة يبدو : كم يشفق الملائكة من أية معصية تقع في الأرض ، حتى من الذين آمنوا ، وكم يرتاعون لها ، فيستغفرون ربهم وهم يسبحون بحمده استشعارا لعلوه وعظمته ؛ واستهوالا لأية معصية تقع في ملكه ؛ واستدرارا لمغفرته ورحمته ؛ وطمعا فيهما :
« أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ »
. . فيجمع إلى العزة والحكمة ، العلو والعظمة ، ثم المغفرة والرحمة . . ويعرف العباد ربهم بشتى صفاته . وفي نهاية الفقرة - بعد تقرير تلك الصفات وأثرها في الكون كله - يعرض للذين يتخذون من دون اللّه أولياء . وقد بدا أن ليس في الكون غيره من ولي . ليعفى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - من أمرهم ، فما هو عليهم بوكيل ، واللّه هو الحفيظ عليهم ، وهو بهم كفيل :
« وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ، اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ ، وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ »
. . وتبدو للضمير صورة هؤلاء المناكيد التعساء ؛ وهم يتخذون من دون اللّه أولياء ؛ وأيديهم مما أمسكت خاوية ، وليس هنالك إلا الهباء ! تبدو للضمير صورتهم - في ضآلتهم وضآلة أوليائهم من دون اللّه . واللّه حفيظ عليهم . وهم في قبضته ضعاف صغار . فأما النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - والمؤمنون معه ، فهم معفون من التفكير في شأنهم ، والاحتفال بأمرهم ، فقد كفاهم اللّه هذا الاهتمام . ولا بد أن تستقر هذه الحقيقة في ضمائر المؤمنين لتهدأ وتطمئن من هذا الجانب في جميع الأحوال . سواء كان أولئك الذين يتخذون من دون اللّه أولياء أصحاب سلطان ظاهر في الأرض ، أم كانوا من غير ذوي السلطان . تطمئن في الحالة الأولى لهوان شأن أصحاب السلطان الظاهر - مهما تجبروا - ما داموا لا يستمدون سلطانهم هذا من اللّه ؛ واللّه حفيظ عليهم ؛ وهو من ورائهم محيط ؛ والكون كله مؤمن بربه من حولهم ، وهم وحدهم المنحرفون كالنغمة النشاز في اللحن المتناسق ! وتطمئن في الحالة الثانية من ناحية أن ليس على المؤمنين من وزر في تولي هؤلاء غير اللّه ؛ فهم ليسوا بوكلاء على من ينحرفون من الخلق ؛ وليس عليهم إلا النصح والبلاغ . واللّه هو الحفيظ على قلوب العباد . ومن ثم يسير المؤمنون في طريقهم . مطمئنين إلى أنه الطريق الموصول بوحي اللّه . وأن ليس عليهم من ضير في انحراف المنحرفين عن الطريق . كائنا ما يكون هذا الانحراف . .
في ظلال القرآن — صفحة 3141 | سيد قطب