تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3137

مساهمون:

ص٣١٣٧
هذا مع أن السورة تتوسع في الحديث عن حقيقة الوحدانية ، وتعرضها من جوانب متعددة ؛ كما أنها تتحدث عن حقيقة القيامة والإيمان بها ؛ ويأتي ذكر الآخرة ومشاهدها في مواضع متعددة منها . وكذلك تتناول عرض صفات المؤمنين وأخلاقهم التي يمتازون بها . كما تلم بقضية الرزق : بسطه وقبضه ؛ وصفة الإنسان في السراء والضراء . ولكن حقيقة الوحي والرسالة ، وما يتصل بها ، تظل - مع ذلك - هي الحقيقة البارزة في محيط السورة ، والتي تطبعها وتظللها . وكأن سائر الموضوعات الأخرى مسوقة لتقوية تلك الحقيقة الأولى وتوكيدها . ويسير سياق السورة في عرض تلك الحقيقة ، وما يصاحبها من موضوعات أخرى بطريقة تدعو إلى مزيد من التدبر والملاحظة . فهي تعرض من جوانب متعددة . يفترق بعضها عن بعض ببضع آيات تتحدث عن وحدانية الخالق . أو وحدانية الرازق . أو وحدانية المتصرف في القلوب . أو وحدانية المتصرف في المصير . . ذلك بينما يتجه الحديث عن حقيقة الوحي والرسالة إلى تقرير وحدانية الموحي - سبحانه - ووحدة الوحي . ووحدة العقيدة . ووحدة المنهج والطريق . وأخيرا وحدة القيادة البشرية في ظل العقيدة . ومن ثم يرتسم في النفس خط الوحدانية بارزا واضحا ، بشتى معانيه وشتى ظلاله وشتى إيحاءاته ، من وراء موضوعات السورة جميعا . . ونضرب بعض الأمثلة من السورة إجمالا ، قبل أن نأخذ في التفصيل : تبدأ بالأحرف المقطعة : « حا . ميم . عين . سين . قاف » . . يليها :
« كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ »
. . مقررا وحدة مصدر الوحي في الأولين والآخرين :
« إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ »
. . ثم يستطرد السياق في صفة اللّه العزيز الحكيم :
« لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ »
. . مقررا وحدانية المالك لما في السماوات والأرض واستعلاءه وعظمته على وجه الانفراد . ثم يستطرد استطرادا آخر في وصف حال الكون تجاه قضية الإيمان بالمالك الواحد ، وتجاه الشرك الذي يشذ به بعض الناس :
« تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ ، وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ ، أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ، وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ، اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ ، وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ »
. . فإذا الكون كله مشغول بقضية الإيمان والشرك حتى إن السماوات ليكدن يتفطرن من شذوذ بعض أهل الأرض ، بينما الملائكة يستغفرون لمن في الأرض جميعا من هذه الفعلة الشنعاء التي جاء بها بعض المنحرفين ! وبعد هذه الجولة يعود السياق إلى الحقيقة الأولى :
« وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ، قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها ، وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ ، فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ »
. . ثم يستطرد مع
« فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ »
. . فيقرر أن لو شاء اللّه لجعلهم أمة واحدة . ولكن مشيئته اقتضت - بما له من علم وحكمة - أن يدخل من يشاء في رحمته
« وَالظَّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ »
. . ويقرر أن اللّه وحده هو الولي
« وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ »
. . ومن ثم يعود إلى الحقيقة الأولى ، حقيقة الوحي والرسالة ، فيقرر أن الحكم فيما يختلف فيه البشر من شيء هو اللّه الذي أنزل هذا القرآن ليرجع إليه الناس في كل اختلاف :
« وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ . ذلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ، وَإِلَيْهِ أُنِيبُ »
. . ويستطرد مع الربوبية إلى وحدانية الخالق ، وتفرد ذاته . ووحدانية المتصرف في مقادير السماوات والأرض ، وفي بسط الرزق وقبضه . وفي علمه بكل شيء :