تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 3077

مساهمون:

ص٣٠٧٧
العرب بعبرة التاريخ قبلهم ؛ ويوجههم إلى السير في الأرض ، ورؤية مصارع الغابرين ، الذين وقفوا موقفهم . وكانوا أشد منهم قوة وآثارا في الأرض . ولكنهم - مع هذه القوة والعمارة - كانوا ضعافا أمام بأس اللّه . وكانت ذنوبهم تعزلهم عن مصدر القوة الحقيقية ، وتستعدي عليهم قوى الإيمان ومعها قوة اللّه العزيز القهار :
« فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ . وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ »
. . ولا واقي إلا الإيمان والعمل الصالح والوقوف في جبهة الإيمان والحق والصلاح . فأما التكذيب بالرسل وبالبينات فنهايته إلى الدمار والنكال :
« ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ ، فَكَفَرُوا ، فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ ، إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ »
. . وبعد هذه الإشارة الكلية المجملة يبدأ في عرض نموذج من نماذج الذين كانوا من قبلهم ، وكانوا أشد منهم قوة وآثارا في الأرض . فأخذهم اللّه بذنوبهم . وهم فرعون وقارون وهامان . ومن معهم من المتجبرين الطغاة . وتنقسم هذه الحلقة من قصة موسى - عليه السّلام - إلى مواقف ومناظر ، تبدأ من موقف عرض الرسالة على فرعون وملئه . وتنتهي هنالك في الآخرة ، وهم يتحاجون في النار . وهي رحلة مديدة . ولكن السياق يختار « لقطات » معينة من هذه الرحلة ، هي التي تؤدي الغرض من هذه الحلقة في هذه السورة بالذات :
« وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ ، إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ ، فَقالُوا : ساحِرٌ كَذَّابٌ »
. . هذا هو موقف اللقاء الأول . موسى ومعه آيات اللّه ، ومعه الهيبة المستمدة من الحق الذي بيده . وفرعون وهامان وقارون . ومعهم باطلهم الزائف وقوتهم الظاهرة ومركزهم الذي يخافون عليه من مواجهة الحق ذي السلطان . . عندئذ لجئوا إلى الجدال بالباطل ليدحضوا به الحق :
« فَقالُوا : ساحِرٌ كَذَّابٌ »
. . ويجمل السياق تفصيل ما حدث بعد هذا الجدال ، ويطوي موقف المباراة مع السحرة ، وإيمانهم بالحق الذي غلب باطلهم ولقف ما يأفكون . ويعرض الموقف الذي تلا هذه الأحداث :
« فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا : اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ »
. ويعقب عليه قبل أن تكمل الآية :
« وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ »
. . إنه منطق الطغيان الغليظ ، كلما أعوزته الحجة ، وخذله البرهان ، وخاف أن يستعلي الحق ، بما فيه من قوة وفصاحة ووضوح ، وهو يخاطب الفطرة فتصغي له وتستجيب . كما استجاب السحرة الذين جيء بهم ليغلبوا موسى وما معه ، فانقلبوا أول المؤمنين بالحق في مواجهة فرعون الجبار . فأما فرعون وهامان وقارون فقالوا :
« اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ »
. . ولقد كان فرعون - في أيام مولد موسى - قد أصدر مثل هذا الأمر . وهناك أحد احتمالين فيما حدث بعد ذلك الأمر الأول . . الاحتمال الأول أن فرعون الذي أصدر ذلك الأمر كان قد مات وخلفه ابنه أو ولي عهده ، ولم يكن الأمر منفذا في العهد الجديد ، حتى جاء موسى وواجه الفرعون الجديد ، الذي كان يعرفه وهو ولي للعهد ، ويعرف تربيته في القصر ، ويعرف الأمر الأول بتذبيح الذكور وترك الإناث من بني إسرائيل . فحاشيته تشير إلى هذا الأمر ، وتوحي بتخصيصه بمن آمنوا بموسى ، سواء كانوا من السحرة أو من بني إسرائيل القلائل