وتطمئن بهم قلوبهم ، ويتضاعف بهم عدد
« عِبادُ الرَّحْمنِ »
ويرجون أن يجعل اللّه منهم قدوة طيبة للذين يتقون اللّه ويخافونه :
« وَالَّذِينَ يَقُولُونَ : رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ، وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً »
. .
وهذا هو الشعور الفطري الإيماني العميق : شعور الرغبة في مضاعفة السالكين في الدرب إلى اللّه . وفي أولهم الذرية والأزواج ، فهم أقرب الناس تبعة وهم أول أمانة يسأل عنها الرجال . والرغبة كذلك في أن يحس المؤمن أنه قدوة للخير ، يأتم به الراغبون في اللّه . وليس في هذا من أثرة ولا استعلاء فالركب كله في الطريق إلى اللّه .
فأما جزاء عباد الرحمن فيختم به هذا البيان :
« أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا ، وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً ، خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً »
. .
والغرفة ربما كان المقصود بها الجنة ، أو المكان الخاص في الجنة ، كما أن الغرفة أكرم من البهو فيما اعتاد الناس في البيوت في هذه الأرض ، عندما يستقبلون الأضياف . وأولئك الكرام الذين سبقت صفاتهم وسماتهم ، يستقبلون في الغرفة بالتحية والسلام ، جزاء ما صبروا على تلك الصفات والسمات . وهو تعبير ذو دلالة .
فهذه العزائم تحتاج إلى الصبر على شهوات النفس ، ومغريات الحياة ، ودوافع السقوط . والاستقامة جهد لا يقدر عليه إلا بالصبر . الصبر الذي يستحق أن يذكره اللّه في هذا الفرقان .
وفي مقابل جهنم التي يتضرعون إلى ربهم أن يصرفها عنهم لأنها ساءت مستقرا ومقاما ، يجزيهم اللّه الجنة
« خالِدِينَ فِيها . حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً »
فلا مخرج لهم إلا أن يشاء اللّه . وهم فيها على خير حال من الاستقرار والمقام .
والآن وقد صور عباد الرحمن . تلك الخلاصة الصافية للبشرية . يختم السورة بهوان البشرية على اللّه لولا هؤلاء الذين يتطلعون إلى السماء . فأما المكذبون فالعذاب حتم عليهم لزام .
« قُلْ : ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً »
. .
وهو ختام يناسب موضوع السورة كلها ؛ ومساقها للتسرية عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وتعزيته عما يلاقي من عناد قومه وجحودهم ، وتطاولهم عليه ، وهم يعرفون مقامه ؛ ولكنهم في سبيل الإبقاء على باطلهم يعاندون ويصرون . . فما قومه ؟ وما هذه البشرية كلها ، لولا القلة المؤمنة التي تدعو اللّه . وتتضرع إليه .
كما يدعو عباد الرحمن ويتضرعون ؟
من هم والأرض التي تضم البشر جميعا إن هي إلا ذرة صغيرة في فضاء الكون الهائل . والبشرية كلها إن هي إلا نوع من أنواع الأحياء الكثيرة على وجه هذه الأرض . والأمة واحدة من أمم هذه الأرض . والجيل الواحد من أمة إن هو إلا صفحة من كتاب ضخم لا يعلم عدد صفحاته إلا اللّه ؟
وإن الإنسان مع ذلك لينتفخ وينتفخ ويحسب نفسه شيئا ؛ ويتطاول ويتطاول حتى ليتطاول على خالقه سبحانه ! وهو هين هين ، ضعيف ضعيف ، قاصر قاصر . إلا أن يتصل باللّه فيستمد منه القوة والرشاد ، وعندئذ فقط يكون شيئا في ميزان اللّه ؛ وقد يرجح ملائكة الرحمن في هذا الميزان . فضلا من اللّه الذي كرم هذا