تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2840

مساهمون:

ص٢٨٤٠
الأمر إليه ، والتوكل الكامل عليه . ثم يفعل اللّه ما يشاء . ثم يستطرد إلى تقرير علم اللّه بالمعوقين ، الذين يقعدون عن الجهاد ويدعون غيرهم إلى القعود . ويقولون لهم :
« لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا »
. . ويرسم لهم صورة نفسية مبدعة . وهي - على صدقها - تثير الضحك والسخرية من هذا النموذج المكرور في الناس . صورة للجبن والانزواء ، والفزع والهلع . في ساعة الشدة . والانتفاش وسلاطة اللسان عند الرخاء . والشح على الخير والضن ببذل أي جهد فيه . والجزع والاضطراب عند توهم الخطر من بعيد . . والتعبير القرآني يرسم هذه الصورة في لمسات فنية مبدعة لا سبيل إلى استبدالها أو ترجمتها في غير سياقها المعجز :
« قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ : هَلُمَّ إِلَيْنا ، وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا . أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ . فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ . فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ . أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ . أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً . يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا . وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ . وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا »
. . ويبدأ هذا النص بتقرير علم اللّه المؤكد بالمعوقين الذين يسعون بالتخذيل في صفوف الجماعة المسلمة . الذين يدعون إخوانهم إلى القعود
« وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا »
ولا يشهدون الجهاد إلا لماما . فهم مكشوفون لعلم اللّه ، ومكرهم مكشوف . ثم تأخذ الريشة المعجزة في رسم سمات هذا النموذج : « أشحة عليكم » ففي نفوسهم كزازة على المسلمين . كزازة بالجهد وكزازة بالمال ، وكزازة في العواطف والمشاعر على السواء .
« فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ »
. . وهي صورة شاخصة ، واضحة الملامح ، متحركة الجوارح ، وهي في الوقت ذاته مضحكة ، تثير السخرية من هذا الصنف الجبان ، الذي تنطق أوصاله وجوارحه في لحظة الخوف بالجبن المرتعش الخوار ! وأشد إثارة للسخرية صورتهم بعد أن يذهب الخوف ويجيء الأمن :
« فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ »
. . فخرجوا من الجحور ، وارتفعت أصواتهم بعد الارتعاش ، وانتفخت أوداجهم بالعظمة ، ونفشوا بعد الانزواء ، وادعوا في غير حياء ، ما شاء لهم الادعاء ، من البلاء في القتال والفضل في الأعمال ، والشجاعة والاستبسال . . ثم هم :
« أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ »
. . فلا يبذلون للخير شيئا من طاقتهم وجهدهم وأموالهم وأنفسهم ؛ مع كل ذلك الادعاء العريض وكل ذلك التبجح وطول اللسان ! وهذا النموذج من الناس لا ينقطع في جيل ولا في قبيل . فهو موجود دائما . وهو شجاع فصيح بارز حيثما كان هناك أمن ورخاء . وهو جبان صامت منزو حيثما كان هناك شدة وخوف . وهو شحيح بخيل على