هو المنشئ للأسباب الكونية التي تكونه والتي تنظمه . فاختصاص اللّه في الغيث هو اختصاص القدرة .
كما هو ظاهر من النص . وقد وهم الذين عدوه في الغيبيات المختصة بعلم اللّه . وإن كان علم اللّه وحده هو العلم في كل أمر وشأن . فهو وحده العلم الصحيح الكامل الشامل الدائم الذي لا يلحق به زيادة ولا نقصان .
« وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ »
. . اختصاص بالعلم كالاختصاص في أمر
« السَّاعَةِ »
فهو سبحانه الذي يعلم وحده .
علم يقين . ما ذا في الأرحام في كل لحظة وفي كل طور . من فيض وغيض . ومن حمل حتى حين لا يكون للحمل حجم ولا جرم . ونوع هذا الحمل ذكرا أم أنثى ، حين لا يملك أحد أن يعرف عن ذلك شيئا في اللحظة الأولى لاتحاد الخلية والبويضة . وملامح الجنين وخواصه وحالته واستعداداته . . فكل أولئك مما يختص به علم اللّه تعالى .
« وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً »
. . ما ذا تكسب من خير وشر ، ومن نفع وضر ، ومن يسر وعسر ، ومن صحة ومرض ، ومن طاعة ومعصية . فالكسب أعم من الربح المالي وما في معناه ؛ وهو كل ما تصيبه النفس في الغداة . وهو غيب مغلق ، عليه الأستار . والنفس الإنسانية تقف أمام سدف الغيب ، لا تملك أن ترى شيئا مما وراء الستار .
وكذلك :
« وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ »
فذلك أمر وراء الستر المسبل السميك الذي لا تنفذ منه الأسماع والأبصار .
وإن النفس البشرية لتقف أمام هذه الأستار عاجزة خاشعة ، تدرك بالمواجهة حقيقة علمها المحدود ، وعجزها الواضح ، ويتساقط عنها غرور العلم والمعرفة المدعاة . وتعرف أمام ستر الغيب المسدل أن الناس لم يؤتوا من العلم إلا قليلا ؛ وأن وراء الستر الكثير مما لم يعلمه الناس . ولو علموا كل شيء آخر فسيظلون واقفين أمام ذلك الستر لا يدرون ما ذا يكون غدا ! بل ما ذا يكون اللحظة التالية . وعندئذ تطامن النفس البشرية من كبريائها وتخشع للّه .
والسياق القرآني يعرض هذه المؤثرات العميقة التأثير في القلب البشري في رقعة فسيحة هائلة . .
رقعة فسيحة في الزمان والمكان ، وفي الحاضر الواقع ، والمستقبل المنظور ، والغيب السحيق . وفي خواطر النفس ، ووثبات الخيال : ما بين الساعة البعيدة المدى ، والغيث البعيد المصدر ، وما في الأرحام الخافي عن العيان . والكسب في الغد ، وهو قريب في الزمان ومغيب في المجهول . . وموضع الموت والدفن ، وهو مبعد في الظنون .
إنها رقعة فسيحة الآماد والأرجاء . ولكن اللمسات التصويرية العريضة بعد أن تتناولها من أقطارها تدق في أطرافها ، وتجمع هذه الأطراف كلها عند نقطة الغيب المجهول ؛ ونقف بها جميعا أمام كوة صغيرة مغلقة ، لو انفتح منها سم الخياط لاستوى القريب خلفها بالبعيد ، ولا نكشف القاصي منها والدان « 1 » . . ولكنها تظل مغلقة في وجه الإنسان ، لأنها فوق مقدور الإنسان ، ووراء علم الإنسان . تبقى خالصة للّه لا يعلمها غيره ، إلا بإذن منه وإلا بمقدار .
« إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ »
وليس غيره بالعليم ولا بالخبير . .
هامش
( 1 ) مقتطف من كتاب : التصوير الفني في القرآن . فصل : التناسق الفني . « دار الشروق » .