تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2781

مساهمون:

ص٢٧٨١
للقلب والعقل . إلى جانب ما فيه من دواعي التأثر والاستجابة . تبدأ الجولة الأولى بعد افتتاح السورة بالأحرف المقطعة ؛ فتقرر أن هذه السورة من جنس تلك الأحرف ، هي آيات الكتاب الحكيم ، وهي هدى ورحمة للمحسنين . وهؤلاء المحسنون هم :
« الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ »
فتقرر قضية اليقين بالآخرة وقضية العبادة للّه . ومعها مؤثر نفسي ملحوظ هو أن
« أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ »
ومن ذا الذي لا يريد أن يكون من المفلحين ؟ . وفي الجانب الآخر فريق من الناس يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل اللّه بغير علم ، ويتخذ تلك الآيات هزوا . وهؤلاء يعاجلهم بمؤثر نفسي مخيف مناسب لاستهزائهم بآيات اللّه :
« أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ »
. . ثم يمضي في وصف حركات هذا الفريق :
« وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها »
. . ومع الوصف مؤثر نفسي يحقر هذا الفريق : « كأن في أذنيه وقرا » ومؤثر آخر يخيفه مع التهكم الواضح في التعبير :
« فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ »
والبشارة هنا فيها ما فيها من التهكم الملحوظ ! . ثم يعود إلى المؤمنين يفصل شيئا من فلاحهم الذي أجمله في أول السورة ؛ ويبين جزاءهم في الآخرة ، كما كشف عن جزاء المستهزئين المستكبرين :
« إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ خالِدِينَ فِيها وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ »
. . وهنا يعرض صفحة الكون الكبير مجالا للبرهان الذي يطالع الفطرة من كل جانب ، ويخاطبها بكل لسان ، ويواجهها بالحق الهائل الذي يمر عليه الناس غافلين :
« خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ، وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ ، وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ ، وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ »
. . وأمام هذه الأدلة الكونية التي تهول الحس وتبده الشعور يأخذ بتلابيب القلوب الشاردة ، التي تجعل للّه شركاء وهي ترى خلقه الهائل العظيم :
« هذا خَلْقُ اللَّهِ . فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ؟ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ »
. . وعند هذا الإيقاع الكوني الضخم العميق تنتهي الجولة الأولى بقضاياها ومؤثراتها معروضة في ساحة الكون الكبير . فأما الجولة الثانية فتبدأ من خلال نفوس آدمية ، وتتناول القضية ذاتها في المجال ذاته بأسلوب جديد ومؤثرات جديدة . .
« وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ »
فما طبيعة هذه الحكمة وما مظهرها الفريد ؟ إنها تتلخص في الاتجاه للّه بالشكر :
« أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ »
فهذه هي الحكمة وهذا هو الاتجاه الحكيم . . والخطوة التالية هي اتجاه لقمان لابنه بالنصيحة : نصيحة حكيم لابنه . فهي نصيحة مبرأة من العيب ، صاحبها قد أوتي الحكمة . وهي نصيحة غير متهمة ، فما يمكن أن تتهم نصيحة والد لولده . هذه النصيحة تقرر قضية التوحيد التي قررتها الجولة الأولى وقضية الآخرة كذلك مصحوبة بهذه المؤثرات النفسية ومعها مؤثرات جديدة :
« وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ : يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ »
. . ويؤكد هذه القضية بمؤثر آخر فيعرض لعلاقة الأبوة والأمومة بأسلوب يفيض انعطافا ورحمة :
« وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ »
ويقرن قضية الشكر للّه بالشكر لهذين الوالدين ، فيقدمها عليها :
« أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ »
. . ثم يقرر القاعدة الأولى في قضية العقيدة ، وهي أن وشيجة العقيدة هي الوشيجة الأولى ، المقدمة على وشيجة النسب والدم . وعلى ما في هذه الوشيجة من انعطاف وقوة إلا أنها تالية للوشيجة الأولى :
« وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما ، وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً ، وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ »
. ويقرر معها قضية الآخرة :
« ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ »
. . ويتبع هذه القضية بمؤثر هائل وهو