اللّه لرسله
« وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ »
. . فوقف الناس بإزائه في صفين : صف يؤمن به من أهل الكتاب ومن قريش ، وصف يجحده ويكفر به مع إيمان أهل الكتاب وشهادتهم بصدقه ، وتصديقه لما بين أيديهم . .
« وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الْكافِرُونَ »
. . فهذه الآيات من الوضوح والاستقامة بحيث لا ينكرها إلا الذي يغطي روحه عنها ويسترها ، فلا يراها ولا يتملاها ! والكفر هو التغطية والحجاب في أصل معناه اللغوي ، وهو ملحوظ في مثل هذا التعبير .
« وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ . إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ »
. .
وهكذا يتتبع القرآن الكريم مواضع شبهاتهم حتى الساذج الطفولي منها . فرسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - عاش بينهم فترة طويلة من حياته ، لا يقرأ ولا يكتب ؛ ثم جاءهم بهذا الكتاب العجيب الذي يعجز القارئين الكاتبين . ولربما كانت تكون لهم شبهة لو أنه كان من قبل قارئا كاتبا . فما شبهتهم وهذا ماضيه بينهم ؟
ونقول : إنه يتتبع مواضع شبهاتهم حتى الساذج الطفولي منها . فحتى على فرض أن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - كان قارئا كاتبا ، ما جاز لهم أن يرتابوا . فهذا القرآن يشهد بذاته على أنه ليس من صنع البشر .
فهو أكبر جدا من طاقة البشر ومعرفة البشر ، وآفاق البشر . والحق الذي فيه ذو طبيعة مطلقة كالحق الذي في هذا الكون . وكل وقفة أمام نصوصه توحي للقلب بأن وراءه قوة ، وبأن في عباراته سلطانا ، لا يصدران عن بشر !
« بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ، وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ »
. .
فهو دلائل واضحة في صدور الذين وهبهم اللّه العلم ، لا لبس فيها ولا غموض ، ولا شبهة فيها ولا ارتياب .
دلائل يجدونها بينة في صدورهم ، تطمئن إليها قلوبهم ، فلا تطلب عليها دليلا وهي الدليل . والعلم الذي يستحق هذا الاسم ، هو الذي تجده الصدور في قرارتها ، مستقرا فيها ، منبعثا منها ؛ يكشف لها الطريق ، ويصلها بالخيط الواصل إلى هناك !
« وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ »
. . الذين لا يعدلون في تقدير الحقائق وتقويم الأمور ، والذين يتجاوزون الحق والصراط المستقيم .
« وَقالُوا : لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ . قُلْ : إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ ، وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ »
. .
يعنون بذلك الخوارق المادية التي صاحبت الرسالات من قبل في طفولة البشرية . والتي لا تقوم حجة إلا على الجيل الذي يشاهدها . بينما هذه هي الرسالة الأخيرة التي تقوم حجتها على كل من بلغته دعوتها إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها . ومن ثم جاءت آياتها الخوارق آيات متلوة من القرآن الكريم المعجز الذي لا تنفد عجائبه ؛ والذي تفتح كنوزه لجميع الأجيال ؛ والذي هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ، يحسونها خوارق معجزة كلما تدبروها ، وأحسوا مصدرها الذي تستمد منه سلطانها العجيب !
« قُلْ : إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ »
. . يظهرها عند الحاجة إليها ، وفق تقديره وتدبيره . وليس لي أن أقترح على اللّه شيئا . ليس هذا من شأني ولا من أدبي
« وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ »
. أنذر وأحذر وأكشف وأبين ؛ فأؤدي ما كلفته . وللّه الأمر بعد ذلك والتدبير .
إنه تجريد العقيدة من كل وهم وكل شبهة . وإيضاح حدود الرسول وهو بشر مختار . فلا تتلبس بصفات اللّه الواحد القهار . ولا تغيم حولها الشبهات التي غامت على الرسالات حين برزت فيها الخوارق المادية ، حتى اختلطت في حس الناس والتبست بالأوهام والخرافات . ونشأت عنها الانحرافات .
وهؤلاء الذين يطلبون الخوارق يغفلون عن تقدير فضل اللّه عليهم بتنزيل هذا القرآن :