وفي اختصار يذكر انتهاء أمرهم إلى تكذيب رسولهم ؛ وأخذهم بالهلاك والتدمير ، على سنة اللّه في أخذ المكذبين .
« فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ »
. .
وقد تقدم بيان الرجفة التي زلزلت عليهم بلادهم ورجتها بعد الصيحة المدوية التي أسقطت قلوبهم وتركتهم مصعوقين حيث كانوا في دارهم لا يتحركون . فأصبحوا فيها جاثمين . جزاء ما كانوا يروعون الناس وهم يخرجون عليهم مغيرين صائحين ! وإشارة كذلك إلى مصرع عاد وثمود :
« وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ ؛ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ ، فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ »
. .
وعاد كانت تسكن بالأحقاف في جنوب الجزيرة بالقرب من حضرموت ، وثمود كانت تسكن بالحجر في شمال الجزيرة بالقرب من وادي القرى . وقد هلكت عاد بريح صرصر عاتية ، وهلكت ثمود بالصيحة المزلزلة .
وبقيت مساكنها معروفة للعرب يمرون عليها في رحلتي الشتاء والصيف ، ويشهدون آثار التدمير ، بعد العز والتمكين .
وهذه الإشارة المجملة تكشف عن سر ضلالهم ، وهو سر ضلال الآخرين .
« وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ »
. .
فقد كانت لهم عقول ، وكانت أمامهم دلائل الهدى ؛ ولكن الشيطان استهواهم وزين لهم أعمالهم . وأتاهم من هذه الثغرة المكشوفة ، وهي غرورهم بأنفسهم ، وإعجابهم بما يأتونه من الأعمال ، وانخداعهم بما هم فيه من قوة ومال ومتاع .
« فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ »
سبيل الهدى الواحد المؤدي إلى الإيمان . وضيع عليهم الفرصة
« وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ »
يملكون التبصر ، وفيهم مدارك ولهم عقول .
وإشارة إلى قارون وفرعون وهامان .
« وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ، فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ ، وَما كانُوا سابِقِينَ »
. .
وقارون كان من قوم موسى فبغى عليهم بثروته وعلمه ، ولم يستمع نصح الناصحين بالإحسان والاعتدال والتواضع وعدم البغي والفساد . وفرعون كان طاغية غشوما ، يرتكب أبشع الجرائم وأغلظها ، ويسخر الناس ويجعلهم شيعا ، ويقتل ذكور بني إسرائيل ويستحيي نساءهم عتوا وظلما . وهامان كان وزيره المدبر لمكائده ، المعين له على ظلمه وبطشه .
« وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ »
. .
فلم يعصمهم الثراء والقوة والدهاء . لم تعصمهم من أخذ اللّه ، ولم تجعلهم ناجين ولا مفلتين من عذاب اللّه ، بل أدركهم وأخذهم كما سيجيء .
« وَما كانُوا سابِقِينَ »
. .
هؤلاء الذين ملكوا القوة والمال وأسباب البقاء والغلبة ، قد أخذهم اللّه جميعا . بعد ما فتنوا الناس وآذوهم طويلا :