ويمضي سياق السورة حول ذلك المحور الواحد في ثلاثة أشواط :
الشوط الأول يتناول حقيقة الإيمان ، وسنة الابتلاء والفتنة ، ومصير المؤمنين والمنافقين والكافرين . ثم فردية التبعة فلا يحمل أحد عن أحد شيئا يوم القيامة :
« وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ »
. .
والشوط الثاني يتناول القصص الذي أشرنا إليه ، وما يصوره من فتن وعقبات في طريق الدعوات والدعاة ، والتهوين من شأنها في النهاية حين تقاس إلى قوة اللّه . ويتحدث عن الحق الكامن في دعوة الرسل ، وهو ذاته الحق الكامن في خلق السماوات والأرض . وكله من عند اللّه .
والشوط الثالث يتناول النهي عن مجادلة أهل الكتاب إلا بالحسنى . إلا الذين ظلموا منهم . وعن وحدة الدين كله ، واتحاده مع هذا الدين الأخير الذي يجحد به الكافرون ، ويجادل فيه المشركون . ويختم بالتثبيت والبشرى والطمأنينة للمجاهدين في اللّه المهديين إلى سبل اللّه :
« وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ »
. .
ويتخلل السورة من المطلع إلى الختام إيقاعات قوية عميقة حول معنى الإيمان وحقيقته . تهز الوجدان هزا .
وتقفه أمام تكاليف الإيمان وقفة جد صارم ؛ فإما النهوض بها وإما النكوص عنها . وإلا فهو النفاق الذي يفضحه اللّه .
وهي إيقاعات لا سبيل إلى تصويرها بغير النصوص القرآنية التي وردت فيها . فنكتفي بالإشارة إليها هنا حتى نستعرضها في موضعها مع السياق .
« ألف . لام . ميم » . .
الحروف المقطعة التي اخترنا في تفسيرها أنها للتنبيه إلى أنها مادة الكتاب الذي أنزله اللّه على رسوله - صلّى اللّه عليه وسلّم - مؤلفا من مثل هذه الحروف ، المألوفة للقوم ، الميسرة لهم ليؤلفوا منها ما يشاءون من القول ؛ ولكنهم لا يملكون أن يؤلفوا منها مثل هذا الكتاب . لأنه من صنع اللّه لا من صنع إنسان .
وقد قلنا من قبل : إن السور التي صدرت بهذه الحروف تتضمن حديثا عن القرآن ، إما مباشرة بعد هذه الحروف ، وإما في ثنايا السورة ، كما هو الحال في هذه السورة . فقد ورد فيها :
« اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ »
. .
« وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ »
. .
« وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ »
. .
« أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ »
. . مما يتمشى مع القاعدة التي اخترناها لتفسير هذه الأحرف في افتتاح السور .
وبعد هذا الافتتاح يبدأ الحديث عن الإيمان ، والفتنة التي يتعرض لها المؤمنون لتحقيق هذا الإيمان ؛ وكشف الصادقين والكاذبين بالفتنة والابتلاء :
« أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا : آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ؟ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ »
.
إنه الإيقاع الأول في هذا المقطع القوي من السورة . يساق في صورة استفهام استنكاري لمفهوم الناس للإيمان ، وحسبانهم أنه كلمة تقال باللسان .
« أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا : آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ؟ »
. .