ثم يرد أمرهم وأمر كل شيء إلى إرادة اللّه واختياره ؛ فهو الذي يخلق كل شيء ، ويعلم كل شيء ، وإليه مرد الأمر كله في الأولى والآخرة ، وله الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم في الدنيا وله الرجعة والمآب . وما يملكون أن يختاروا لأنفسهم ولا لغيرهم ، فاللّه يخلق ما يشاء ويختار :
« وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ، ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ، سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ . وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ . وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ ، وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ »
. .
وهذا التعقيب يجيء بعد حكاية قولهم :
« إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا »
وبعد استعراض موقفهم يوم الحساب على الشرك والغواية . . يجيء لتقرير أنهم لا يملكون الاختيار لأنفسهم فيختاروا الأمن أو المخافة ! ولتقرير وحدانية اللّه ورد الأمر كله إليه في النهاية .
« وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ . ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ »
. .
إنها الحقيقة التي كثيرا ما ينساها الناس ، أو ينسون بعض جوانبها . إن اللّه يخلق ما يشاء ؛ لا يملك أحد أن يقترح عليه شيئا ولا أن يزيد أو ينقص في خلقه شيئا ، ولا أن يعدل أو يبدل في خلقه شيئا . وإنه هو الذي يختار من خلقه ما يشاء ومن يشاء لما يريد من الوظائف والأعمال والتكاليف والمقامات ؛ ولا يملك أحد أن يقترح عليه شخصا ولا حادثا ولا حركة ولا قولا ولا فعلا . .
« ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ »
لا في شأن أنفسهم ولا في شأن غيرهم ، ومرد الأمر كله إلى اللّه في الصغير والكبير . .
هذه الحقيقة لو استقرت في الإخلاد والضمائر لما سخط الناس شيئا يحل بهم ، ولا استخفهم شيء ينالونه بأيديهم ، ولا أحزنهم شيء يفوتهم أو يفلت منهم . فليسوا هم الذين يختارون ، إنما اللّه هو الذي يختار .
وليس معنى هذا أن يلغوا عقولهم وإرادتهم ونشاطهم . ولكن معناه أن يتقبلوا ما يقع - بعد أن يبذلوا ما في وسعهم من التفكير والتدبير والاختيار - بالرضى والتسليم والقبول . فإن عليهم ما في وسعهم والأمر بعد ذلك للّه .
ولقد كان المشركون يشركون مع اللّه آلهة مدعاة ؛ واللّه وحده هو الخالق المختار لا شريك له في خلقه ولا في اختياره . .
« سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ »
. .
« وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ »
. .
فهو مجازيهم بما يعلم من أمرهم ، مختار لهم ما هم له أهل ، من هدى أو ضلال .
« وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ »
. . فلا شريك له في خلق ولا اختيار .
« لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ »
. . على اختياره ، وعلى نعمائه ، وعلى حكمته وتدبيره ، وعلى عدله ورحمته ، وهو وحده المختص بالحمد والثناء .
« وَلَهُ الْحُكْمُ »
. . يقضي في عباده بقضائه ، لا راد له ولا مبدل لحكمه .
« وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ »
. . فيقضي بينكم قضاءه الأخير . .
وهكذا يطوقهم بالشعور بقدرة اللّه وتفرد إرادته في هذا الوجود واطلاعه على سرهم وعلانيتهم فلا تخفى عليه منهم خافية ؛ وإليه مرجعهم فلا تشرد منهم شاردة . فكيف يشركون باللّه بعد هذا وهم في قبضته لا يفلتون ؟
ثم يجول بهم جولة في مشاهد الكون الذي يعيشون فيه غافلين عن تدبير اللّه لهم ، واختياره لحياتهم ومعاشهم ؛