وفي هذا الموضع كانت حلقة المباراة مع السحرة . وهي محذوفة هنا للتعجيل بالنهاية :
« وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ »
. .
فلما توهموا عدم الرجعة إلى اللّه استكبروا في الأرض بغير الحق ، وكذبوا بالآيات والنذر ( التي جاء ذكرها في مطلع هذه الحلقة ، ووردت بالتفصيل في سور أخرى ) .
« فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ »
.
هكذا في اختصار حاسم . أخذ شديد ونبذ في اليم . نبذ كما تحذف الحصاة أو كما يرمى بالحجر . اليم الذي ألقي في مثله موسى الطفل الرضيع ، فكان مأمنا وملجأ . وهو ذاته الذي ينبذ فيه فرعون الجبار وجنوده فإذا هو مخافة ومهلكة . فالأمن إنما يكون في جناب اللّه ، والمخافة إنما تكون في البعد عن ذلك الجناب .
« فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ »
. .
فهي عاقبة مشهودة معروضة للعالمين . وفيها عبرة للمعتبرين ، ونذير للمكذبين . وفيها يد القدرة تعصف بالطغاة والمتجبرين في مثل لمح البصر ، وفي أقل من نصف سطر ! وفي لمحة أخرى يجتاز الحياة الدنيا ؛ ويقف بفرعون وجنوده في مشهد عجيب . . يدعون إلى النار ، ويقودون إليها الأتباع والأنصار :
« وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ »
. .
فيا بئساها دعوة ! ويا بئساها إمامة !
« وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ »
. .
فهي الهزيمة في الدنيا ، وهي الهزيمة في الآخرة ، جزاء البغي والاستطالة . وليست الهزيمة وحدها ، إنما هي اللعنة في هذه الأرض ، والتقبيح في يوم القيامة :
« وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ، وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ »
.
ولفظة
« الْمَقْبُوحِينَ »
ترسم بذاتها صورة القبح والفضيحة والتشنيع ، وجو التفزز والاشمئزاز . ذلك في مقابل الاستعلاء والاستكبار في الأرض ، وفتنة الناس بالمظهر والجاه ، والتطاول على اللّه وعلى عباد اللّه .
ويعبر السياق هنا مرحلة الخروج ببني إسرائيل من مصر ، وما حدث خلالها من أحداث ، ليعجل بعرض نصيب موسى بعد عرض نصيب فرعون :
« وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى ، بَصائِرَ لِلنَّاسِ ، وَهُدىً وَرَحْمَةً ، لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ »
. .
هذا نصيب موسى . وهو نصيب عظيم . وهذه عاقبة موسى . وهي عاقبة كريمة . . كتاب من اللّه يبصر الناس كأنه بصائرهم التي بها يهتدون ،
« وَهُدىً وَرَحْمَةً »
. .
« لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ »
. . يتذكرون كيف تتدخل يد القدرة بين الطغاة والمستضعفين ، فتختم للطغاة بالهلاك والتدمير ، وتختم للمظلومين بالخير والتمكين .
وهكذا تنتهي قصة موسى وفرعون في هذه السورة . شاهدة بأن الأمن لا يكون إلا في جانب اللّه . وأن المخافة لا تكون إلا في البعد عن اللّه . ذلك إلى تدخل يد القدرة سافرة متحدية للطغيان والطغاة ، حين تصبح القوة فتنة