عاداتهم لا تفسح لهم في قلوب أهل القصور ! وللرسالة تكاليفها من المشقة والتجرد والشظف أحيانا . . وقلوب أهل القصور - مهما تكن مستعدة للتضحية بما اعتادته من الخفض والدعة والمتعة - لا تصبر طويلا على الخشونة والحرمان والمشقة عند معاناتها في واقع الحياة .
فشاءت القدرة التي تنقل خطى موسى - عليه السّلام - أن تخفض مما اعتادته نفسه من تلك الحياة ؛ وأن تزج به في مجتمع الرعاة ، وأن تجعله يستشعر النعمة في أن يكون راعي غنم يجد القوت والمأوى ، بعد الخوف والمطاردة والمشقة والجوع . وأن ينزع من حسه روح الاشمئزاز من الفقر والفقراء ، وروح التأفف من عاداتهم وأخلاقهم وخشونتهم وسذاجتهم ؛ وروح الاستعلاء على جهلهم وفقرهم ورثاثة هيئتهم ومجموعة عاداتهم وتقاليدهم .
وأن تلقي به في خضم الحياة كبيرا بعد ما ألقت به في خضم الأمواج صغيرا ، ليمون على تكاليف دعوته قبل أن يتلقاها . .
فلما أن استكملت نفس موسى - عليه السّلام - تجاربها ، وأكملت مرانتها ودربتها ، بهذه التجربة الأخيرة في دار الغربة ، قادت يد القدرة خطاه مرة أخرى عائدة به إلى مهبط رأسه ، ومقر أهله وقومه ، ومجال رسالته وعمله ، سالكة به الطريق التي سلكها أول مرة وحيدا طريدا خائفا يتلفت . فما هذه الجيئة والذهوب في ذات الطريق ؟ إنها التدريب والمرانة والخبرة حتى بشعاب الطريق . الطريق الذي سيقود فيه موسى خطى قومه بأمر ربه ، كي يستكمل صفات الرائد وخبرته ، حتى لا يعتمد على غيره ولو في زيادة الطريق . فقومه كانوا في حاجة إلى رائد يقودهم في الصغيرة والكبيرة ، بعد أن أفسدهم الذل والقسوة والتسخير ؛ حتى فقدوا القدرة على التدبير والتفكير .
وهكذا ندرك كيف صنع موسى على عين اللّه ، وكيف أعدته القدرة لتلقي التكليف . فلنتبع خطى موسى تنقلها يد القدرة الكبرى ، في طريقه إلى هذا التكليف .
« فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً . قالَ لِأَهْلِهِ : امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً ، لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ »
. .
ترى أي خاطر راود موسى ، فعاد به إلى مصر ، بعد انقضاء الأجل ، وقد خرج منها خائفا يترقب ؟ وأنساه الخطر الذي ينتظره بها ، وقد قتل فيها نفسا ؟ وهناك فرعون الذي كان يتآمر مع الملأ من قومه ليقتلوه ؟
إنها اليد التي تنقل خطاه كلها ، لعلها قادته هذه المرة بالميل الفطري إلى الأهل والعشيرة ، وإلى الوطن والبيئة ، وأنسته الخطر الذي خرج هاربا منه وحيدا طريدا . ليؤدي المهمة التي خلق لها ورعي منذ اللحظة الأولى .
على أية حال ها هو ذا عائد في طريقه ، ومعه أهله ، والوقت ليل ، والجو ظلمة ؛ وقد ضل الطريق ، والليلة شاتية ، كما يبدو من أنسه بالنار التي شاهدها ، ليأتي منها بخبر أو جذوة . . هذا هو المشهد الأول في هذه الحلقة .
فأما المشهد الثاني فهو المفاجأة الكبرى :
« فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ »
. .
فها هو ذا يقصد إلى النار التي آنسها ، وها هو ذا في شاطئ الوادي إلى جوار جبل الطور ، الوادي إلى يمينه ،
« فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ »
. . المباركة ، منذ هذه اللحظة . . ثم هذا هو الكون كله تتجاوب جنباته بالنداء العلوي الآتي لموسى
« مِنَ الشَّجَرَةِ »
ولعلها كانت الوحيدة في هذا المكان :