تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2686

مساهمون:

ص٢٦٨٦
أنعامهم لتشرب من الماء ؛ ووجد هناك امرأتين تمنعان غنمهما عن ورود الماء . والأولى عند ذوي المروءة والفطرة السليمة ، أن تسقي المرأتان وتصدرا بأغنامهما أولا ، وأن يفسح لهما الرجال ويعينوهما . ولم يقعد موسى الهارب المطارد ، المسافر المكدود ، ليستريح ، وهو يشهد هذا المنظر المنكر المخالف للمعروف . بل تقدم للمرأتين يسألهما عن أمرهما الغريب :
« قالَ : ما خَطْبُكُما ؟ »
.
« قالَتا : لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ »
. . فأطلعتاه على سبب انزوائهما وتأخرهما وذودهما لغنمهما عن الورود . إنه الضعف ، فهما امرأتان وهؤلاء الرعاة رجال . وأبوهما شيخ كبير لا يقدر على الرعي ومجالدة الرجال ! وثارت نخوة موسى - عليه السّلام - وفطرته السليمة . فتقدم لإقرار الأمر في نصابه . تقدم ليسقي للمرأتين أولا ، كما ينبغي أن يفعل الرجال ذوو الشهامة . وهو غريب في أرض لا يعرفها ، ولا سند له فيها ولا ظهير . وهو مكدود قادم من سفر طويل بلا زاد ولا استعداد . وهو مطارد ، من خلفه أعداء لا يرحمون . ولكن هذا كله لا يقعد به عن تلبية دواعي المروءة والنجدة والمعروف ، وإقرار الحق الطبيعي الذي تعرفه النفوس :
« فَسَقى لَهُما »
. . مما يشهد بنبل هذه النفس التي صنعت على عين اللّه . كما يشي بقوته التي ترهب حتى وهو في إعياء السفر الطويل . ولعلها قوة نفسه التي أوقعت في قلوب الرعاة رهبته أكثر من قوة جسمه . فإنما يتأثر الناس أكثر بقوة الأرواح والقلوب .
« ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ »
. . مما يشير إلى أن الأوان كان أوان قيظ وحر ، وأن السفرة كانت في ذلك القيظ والحر .
« فَقالَ : رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ »
. . إنه يأوي إلى الظل المادي البليل بجسمه ، ويأوى إلى الظل العريض الممدود . ظل اللّه الكريم المنان . بروحه وقلبه : « رب . إني لما أنزلت إلي من خير فقير » . رب إني في الهاجرة . رب إني فقير . رب إني وحيد . رب إني ضعيف . رب إني إلى فضلك ومنك وكرمك فقير محوج . ونسمع من خلال التعبير رفرفة هذا القلب والتجاءه إلى الحمى الآمن ، والركن الركين ، والظل الظليل . نسمع المناجاة القريبة والهمس الموحي ، والانعطاف الرفيق ، والاتصال العميق :
« رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ »
. . وما نكاد نستغرق مع موسى - عليه السّلام - في مشهد المناجاة حتى يعجل السياق بمشهد الفرج ، معقبا في التعبير بالفاء ، كأنما السماء تسارع فتستجيب للقلب الضارع الغريب .
« فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ . قالَتْ : إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا »
. . يا فرج اللّه : ويا لقربه ويا لنداه ! إنها دعوة الشيخ الكبير استجابة من السماء لدعوة موسى الفقير . دعوة للإيواء والكرامة والجزاء على الإحسان . دعوة تحملها :
« إِحْداهُما »
وقد جاءته
« تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ »
مشية الفتاة الطاهرة الفاضلة العفيفة النظيفة حين تلقى الرجال .
« عَلَى اسْتِحْياءٍ »
. في غير ما تبذل ولا تبرج ولا تبجح ولا إغواء . جاءته لتنهي إليه دعوة في أقصر لفظ وأخصره وأدله ، يحكيه القرآن بقوله :
« إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ
في ظلال القرآن — صفحة 2686 | سيد قطب