صلّى اللّه عليه وسلّم : أي الذنب أكبر ؟ قال : « أن تجعل للّه أندادا وهو خلقك . . . » « 1 » وبعد عرض هذا التطاول على مقام الخالق جل وعلا ، يعرض تطاولهم على رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - ويرد عليه عقب عرضه بما يظهر سخفه وكذبه :
« وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا : إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ . فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً . وَقالُوا : أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا . قُلْ : أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً »
. . .
وأكذب شيء أن يقول كفار قريش هذه المقالة ، وهم يوقنون في أنفسهم أنها الفرية التي لا تقوم على أساس . فما يمكن أن يخفى على كبرائهم الذين يلقنونهم هذا القول أن القرآن الذي يتلوه عليهم محمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - شيء آخر غير كلام البشر ؛ وهم كانوا يحسون هذا بذوقهم في الكلام ؛ وكانوا لا يملكون أنفسهم من التأثر بالقرآن . ثم هم كانوا يعلمون عن محمد قبل البعثة أنه الصادق الأمين الذي لا يكذب ولا يخون . فكيف به يكذب على اللّه وينسب إليه قولا لم يقله ؟
ولكنه العناد والخوف على مراكزهم الاجتماعية المستمدة من سيادتهم الدينية ، كان يجنح بهم إلى هذه المناورات يطلقونها في وسط جمهور العرب ، الذين قد لا يميزون بين الكلام ، ولا يعرفون درجته :
« إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ »
. قيل : إنهم عبيد أعاجم ثلاثة أو أكثر ، هم الذين كانوا يعنونهم بهذه المقالة . وهو كلام متهافت تافه لا يقف للجدل . فإن كان بشر يملك أن يفتري مثل هذا القرآن بمعاونة قوم آخرين ، فما يمسكهم هم عن الإتيان بمثله ، مستعينين بأقوام منهم ، ليبطلوا حجة محمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - وهو يتحداهم به وهم عاجزون ؟ ! ومن ثم لا يجادلهم هنا ولا يناقشهم في هذا القول المتهافت ؛ إنما يدمغهم بالوصف البارز الثابت :
« فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً »
. . ظلما للحق ، ولمحمد ، ولأنفسهم ، وزورا واضح الكذب ظاهر البطلان .
ثم يمضي في استعراض مقولاتهم عن الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - وعن القرآن :
« وَقالُوا : أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا »
. .
ذلك لما وجدوا فيه من قصص الأولين التي يسوقها للعبرة والعظة ، للتربية والتوجيه ، فقالوا عن هذا القصص الصادق :
« أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ »
وزعموا أن الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - طلب أن تكتب له ، لتقرأ عليه في الصباح والمساء - إذ كان أميالا يقرأ ولا يكتب - ثم يقولها هو بدوره ، وينسبها إلى اللّه ! وهذا استطراد في دعواهم التي لا تقوم على أساس ، ولا تثبت للمناقشة . وإن سياقة القصص في القرآن بهذا التنسيق في عرضه ؛ وبهذا التناسق بينه وبين الموضوع الذي يساق فيه ، ويستشهد بالقصص عليه ؛ وبهذا التناسب بين أهداف القصص وأهداف السياق في السورة الواحدة . . إن هذا كله ليشهد بالقصد والتدبير العميق اللطيف الذي لا يلحظ في الأساطير المبعثرة التي لا تجمعها فكرة ، ولا يوجهها قصد ، إنما تساق للتسلية وتزجية الفراغ « 2 » !
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ومسلم .
( 2 ) يراجع بتوسع فصل : القصة في القرآن في كتاب : « التصوير الفني في القرآن » . « دار الشروق » .