يا للّه ! يا للقدرة ! يا أم موسى أرضعيه . فإذا خفت عليه وهو في حضنك . وهو في رعايتك . إذا خفت عليه وفي فمه ثديك ، وهو تحت عينيك . إذا خفت عليه
« فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ »
! !
« وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي »
إنه هنا . . في اليم . . في رعاية اليد التي لا أمن إلا في جوارها ، اليد التي لا خوف معها . اليد التي لا تقرب المخاوف من حماها . اليد التي تجعل النار بردا وسلاما ، وتجعل البحر ملجأ ومناما .
اليد التي لا يجرؤ فرعون الطاغية الجبار ولا جبابرة الأرض جميعا أن يدنوا من حماها الآمن العزيز الجناب .
« إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ »
. . فلا خوف على حياته ولا حزن على بعده . .
« وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ »
. . وتلك بشارة الغد ، ووعد اللّه أصدق القائلين .
هذا هو المشهد الأول في القصة . مشهد الأم الحائرة الخائفة القلقة الملهوفة تتلقى الإيحاء المطمئن المبشر المثبت المريح . وينزل هذا الإيحاء على القلب الواجف المحرور بردا وسلاما . ولا يذكر السياق كيف تلقته أم موسى ، ولا كيف نفذته . إنما يسدل الستار عليها ، ليرفعه فإذا نحن أمام المشهد الثاني :
« فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ »
. .
أهذا هو الأمن ؟ أهذا هو الوعد ؟ أهذه هي البشارة ؟
وهل كانت المسكينة تخشى عليه إلا من آل فرعون ؟ وهل كانت ترجف إلا أن ينكشف أمره لآل فرعون ؟
وهل كانت تخاف إلا أن يقع في أيدي آل فرعون ؟
نعم ! ولكنها القدرة تتحدى . تتحدى بطريقة سافرة مكشوفة . تتحدى فرعون وهامان وجنودهما . إنهم ليتتبعون الذكور من مواليد قوم موسى خوفا على ملكهم وعرشهم وذواتهم . ويبثون العيون والأرصاد على قوم موسى كيلا يفلت منهم طفل ذكر . . فها هي ذي يد القدرة تلقي في أيديهم بلا بحث ولا كد بطفل ذكر .
وأي طفل ؟ إنه الطفل الذي على يديه هلاكهم أجمعين ! ها هي ذي تلقيه في أيديهم مجردا من كل قوة ومن كل حيلة ، عاجزا عن أن يدفع عن نفسه أو حتى يستنجد ! ها هي ذي تقتحم به على فرعون حصنه وهو الطاغية السفاح المتجبر ، ولا تتعبه في البحث عنه في بيوت بني إسرائيل ، وفي أحضان نسائهم الوالدات ! ثم ها هي ذي تعلن عن مقصدها سافرة متحدية :
« لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً »
.
ليكون لهم عدوا يتحداهم وحزنا يدخل الهم على قلوبهم :
« إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ »
. .
ولكن كيف ؟ كيف وها هو ذا بين أيديهم ، مجردا من كل قوة ، مجردا من كل حيلة ؟ لندع السياق يجيب :
« وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ : قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ ، لا تَقْتُلُوهُ ، عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً ؛ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ »
. .
لقد اقتحمت به يد القدرة على فرعون قلب امرأته ، بعد ما اقتحمت به عليه حصنه . لقد حمته بالمحبة .
ذلك الستار الرقيق الشفيف . لا بالسلاح ولا بالجاه ولا بالمال . حمته بالحب الحاني في قلب امرأة . وتحدت به قسوة فرعون وغلظته وحرصه وحذره . . وهان فرعون على اللّه أن يحمي منه الطفل الضعيف بغير هذا الستار الشفيف !
« قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ »
. .
وهو الذي تدفع به يد القدرة إليهم ليكون لهم - فيما عدا المرأة - عدوا وحزنا !
« لا تَقْتُلُوهُ »
. .