تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2510

مساهمون:

ص٢٥١٠
من قريش ، فقال : السلام عليكم . أأدخل ؟ قالت : ادخل بسلام . فأعاد . فأعادت . وهو يراوح بين قدميه . قال : قولي : ادخل . قالت : ادخل . فدخل ! وروى عطاء بن رباح عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما ، قال : قلت أأستأذن على أخواتي أيتام في حجري معي في بيت واحد ؟ قال : نعم . فرددت عليه ليرخص لي فأبى ، فقال : تحب أن تراها عريانة ؟ قلت : لا . قال : فاستأذن . قال : فراجعته أيضا . فقال : أتحب أن تطيع اللّه ؟ قال : قلت : نعم . قال : فاستأذن . وجاء في الصحيح عن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أنه نهى أن يطرق الرجل أهله طروقا . . وفي رواية : ليلا يتخونهم . وفي حديث آخر أن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قدم المدينة نهارا ، فأناخ بظاهرها وقال : « انتظروا حتى ندخل عشاء - يعني آخر النهار - حتى تمتشط الشعثة ، وتستحد « 1 » المغيبة » . إلى هذا الحد من اللطف والدقة بلغ حس رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وصحابته ، بما علمهم اللّه من ذلك الأدب الرفيع الوضيء ، المشرق بنور اللّه . ونحن اليوم مسلمون ، ولكن حساسيتنا بمثل هذه الدقائق قد تبلدت وغلظت . وإن الرجل ليهجم على أخيه في بيته ، في أية لحظة من لحظات الليل والنهار ، يطرقه ويطرقه ويطرقه فلا ينصرف أبدا حتى يزعج أهل البيت فيفتحوا له . وقد يكون في البيت هاتف « تليفون » يملك أن يستأذن عن طريقه ، قبل أن يجيء ، ليؤذن له أو يعلم أن الموعد لا يناسب ؛ ولكنه يهمل هذا الطريق ليهجم في غير أوان ، وعلى غير موعد . ثم لا يقبل العرف أن يرد عن البيت - وقد جاء - مهما كره أهل البيت تلك المفاجأة بلا إخطار ولا انتظار ! ونحن اليوم مسلمون ، ولكننا نطرق إخواننا في أية لحظة في موعد الطعام . فإن لم يقدم لنا الطعام وجدنا في أنفسنا من ذلك شيئا ! ونطرقهم في الليل المتأخر ، فإن لم يدعونا إلى المبيت عندهم وجدنا في أنفسنا من ذلك شيئا ! دون أن نقدر أعذارهم في هذا وذاك ! ذلك أننا لا نتأدب بأدب الإسلام ؛ ولا نجعل هوانا تبعا لما جاء به رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - إنما نحن عبيد لعرف خاطئ ، ما أنزل اللّه به من سلطان ! ونرى غيرنا ممن لم يعتنقوا الإسلام ، يحافظون على تقاليد في سلوكهم تشبه ما جاء به ديننا ليكون أدبا لنا في النفس ، وتقليدا من تقاليدنا في السلوك . فيعجبنا ما نراهم عليه أحيانا ؛ ونتندر به أحيانا . ولا نحاول أن نعرف ديننا الأصيل ، فنفيء إليه مطمئنين . وبعد الانتهاء من أدب الاستئذان على البيوت - وهو إجراء وقائي في طريق تطهير المشاعر واتقاء أسباب الفتنة العابرة - يأخذ على الفتنة الطريق كيلا تنطلق من عقالها ، بدافع النظر لمواضع الفتنة المثيرة ، وبدافع الحركة المعبرة ، الداعية إلى الغواية :
« قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ : يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ ، وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ، ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ . إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ .
هامش
( 1 ) تتطيب من الشعر الداخلي .
في ظلال القرآن — صفحة 2510 | سيد قطب