عندما لجأ نوح إلى ربه يعلن أنه « مغلوب » ويدعو ربه أن « ينتصر » هو وقد غلب رسوله . . عندئذ أطلق اللّه القوى الكونية الهائلة لتكون في خدمة عبده المغلوب :
« فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ . وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ »
. .
وبينما كانت تلك القوى الهائلة تزاول عملها على هذا المستوي الكوني الرائع المرهوب . . كان اللّه سبحانه - بذاته العلية - مع عبده المغلوب :
« وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ . تَجْرِي بِأَعْيُنِنا . . جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ . . »
.
هذه هي الصورة الهائلة التي يجب أن تقف طلائع البعث الإسلامي في كل مكان وفي كل زمان أمامها حين تطاردها الجاهلية ؛ وحين « تغلبها » الجاهلية ! إنها تستحق أن يسخر اللّه لها القوى الكونية الهائلة . . وليس من الضروري أن تكون هي الطوفان . فما الطوفان إلا صورة من صور تلك القوى !
« وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ »
. .
وإنه ليس عليها إلا أن تثبت وتستمر في طريقها ؛ وإلا أن تعرف مصدر قوتها وتلجأ إليه ؛ وإلا أن تصبر حتى يأتي اللّه بأمره ، وإلا أن تثق أن وليها القدير لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء . وأنه لن يترك أولياءه إلى أعدائه ، إلا فترة الإعداد والابتلاء ؛ وأنها متى اجتازت هذه الفترة فإن اللّه سيصنع لها وسيصنع بها في الأرض ما يشاء .
. . وهذه هي عبرة الحادث الكوني العظيم . .
إنه لا ينبغي لأحد يواجه الجاهلية بالإسلام أن يظن أن اللّه تاركه للجاهلية وهو يدعو إلى إفراد اللّه سبحانه بالربوبية . كما أنه لا ينبغي له أن يقيس قوته الذاتية إلى قوى الجاهلية فيظن أن اللّه تاركه لهذه القوى وهو عبده الذي يستنصر به حين يغلب فيدعوه :
« أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ »
. .
إن القوى في حقيقتها ليست متكافئة ولا متقاربة . . إن الجاهلية تملك قواها . . ولكن الداعي إلى اللّه يستند إلى قوة اللّه . واللّه يملك أن يسخر له بعض القوى الكونية - حينما يشاء وكيفما يشاء - وأيسر هذه القوى يدمر على الجاهلية من حيث لا تحتسب ! وقد تطول فترة الابتلاء لأمر يريده اللّه . . ولقد لبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما ؛ قبل أن يأتي الأجل الذي قدره اللّه . ولم تكن حصيلة هذه الفترة الطويلة إلا اثني عشر مسلما . . ولكن هذه الحفنة من البشر كانت في ميزان اللّه تساوي تسخير تلك القوى الهائلة ، والتدمير على البشرية الضالة جميعا ، وتوريث الأرض لتلك الحفنة الطيبة تعمرها من جديد وتستخلف فيها . .
إن عصر الخوارق لم يمض ! فالخوارق تتم في كل لحظة - وفق مشيئة اللّه الطليقة - ولكن اللّه يستبدل بأنماط من الخوارق أنماطا أخرى ، تلائم واقع كل فترة ومقتضياتها . وقد تدق بعض الخوارق على بعض العقول فلا تدركها ؛ ولكن الموصولين باللّه يرون يد اللّه دائما ، ويلابسون آثارها المبدعة .
والذين يسلكون السبيل إلى اللّه ليس عليهم إلا أن يؤدوا واجبهم كاملا ، بكل ما في طاقتهم من جهد ؛ ثم يدعوا الأمور للّه في طمأنينة وثقة . وعندما يغلبون عليهم أن يلجئوا إلى الناصر المعين وأن يجأروا إليه كما جأر عبده الصالح نوح :
« فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ ، فَانْتَصِرْ »
. . ثم ينتظروا فرج اللّه القريب . وانتظار الفرج من اللّه عبادة ؛ فهم على هذا الانتظار مأجورون .