« يا وَيْلَنا ! قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا . بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ »
. .
وهو تفجع المفجوء الذي تتكشف له الحقيقة المروعة بغتة ؛ فيذهل ويشخص بصره فلا يطرف ، ويدعو بالويل والهلاك ، ويعترف ويندم ، ولكن بعد فوات الأوان ! وحين يصدر هذا الاعتراف في ذهول المفاجأة يصدر الحكم القاطع الذي لا مرد له :
« إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ »
. .
وكأنما هم اللحظة في ساحة العرض ، يردون جهنم هم وآلهتهم المدعاة ؛ وكأنما هم يقذفون فيها قذفا بلا رفق ولا أناة ؛ وكأنما تحصب بهم حصبا كما تحصب بالنواة ! وعندئذ يوجه إليهم البرهان على كذب ما يدعون لها من كونها آلهة . يوجه إليهم البرهان من هذا الواقع المشهود :
« لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها »
. .
وهو برهان وجداني ينتزع من هذا المشهد المعروض عليهم في الدنيا ، وكأنما هو واقع في الآخرة . . ثم يستمر السياق على أنهم قد وردوا جهنم فعلا ، فيصف مقامهم فيها ، ويصور حالهم هناك ؛ وهي حال المكروب المذهوب بإدراكه من هول ما هو فيه :
« وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ . لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ ، وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ »
.
وندع هؤلاء لنجد المؤمنين في نجوة من هذا كله ، قد سبقت لهم الحسنى من اللّه ، وقدر لهم الفوز والنجاة :
« إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ . لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ »
. .
ولفظة
« حَسِيسَها »
من الألفاظ المصورة بجرسها لمعناها . فهو تنقل صوت النار وهي تسري وتحرق ، وتحدث ذلك الصوت المفزع . وإنه لصوت يتفزع له الجلد ويقشعر . ولذلك نجي الذين سبقت لهم الحسنى من سماعه - فضلا على معاناته - نجوا من الفزع الأكبر الذي يذهل المشركين . وعاشوا فيما تشتهي أنفسهم من أمن ونعيم . وتتولى الملائكة استقبالهم بالترحيب ، ومصاحبتهم لتطمئن قلوبهم في جو الفزع المرهوب :
« لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ ، وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ . هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ »
. .
ويختم المشهد بمنظر الكون الذي آل إليه . وهو يشارك في تصوير الهول الآخذ بزمام القلوب ، وبزمام الكائنات كلها في ذلك اليوم العصيب :
« يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ »
. .
فإذا السماء مطوية كما يطوي خازن الصحائف صحائفه ؛ وقد قضي الأمر ، وانتهى العرض ، وطوي الكون الذي كان يألفه الإنسان . . وإذا عالم جديد وكون جديد :
« كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ »
. .
« وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ »
. .
ومن هذا المشهد المصور لنهاية الكون والأحياء في الآخرة يعود السياق لبيان سنة اللّه في وراثة الأرض ، وصيرورتها للصالحين من عبادة في الحياة . وبين المشهدين مناسبة وارتباط :
« وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ »
. .
والزبور إما أن يكون كتابا بعينه هو الذي أوتيه داود عليه السلام . ويكون الذكر إذن هو التوراة التي