ويعقب السياق على قولة الكفار التياهين ، المتباهين بما هم فيه من مقام وزينة بلمسة وجدانية ترجع القلب إلى مصارع الغابرين ، على ما كانوا فيه من مقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين :
« وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً
« 1 »
»
. .
فلم ينفعهم أثاثهم ورياشهم وزينتهم ومظهرهم . ولم يعصمهم شيء من اللّه حين كتب عليهم الهلاك .
ألا إن هذا الإنسان لينسى . ولو تذكر وتفكر ما أخذه الغرور بمظهر ؛ ومصارع الغابرين من حوله تلفته بعنف وتنذره وتحذره ، وهو سادر فيما هو فيه ، غافل عما ينتظره مما لقيه من كانوا قبله وكانوا أشد قوة وأكثر أموالا وأولادا .
يعقب السياق بتلك اللفتة ثم يأمر الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - أن يدعو عليهم في صورة مباهلة - بأن من كان من الفريقين في الضلالة فليزده اللّه مما هو فيه ؛ حتى يأتي وعده في الدنيا أو في الآخرة :
« قُلْ : مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا ، حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً ، وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا »
. .
فهم يزعمون أنهم أهدى من أتباع محمد - صلى اللّه عليه وسلم - لأنهم أغنى وأبهى . فليكن ! وليدع محمد ربه أن يزيد الضالين من الفريقين ضلالا ، وأن يزيد المهتدين منهما اهتداء . . حتى إذا وقع ما يعدهم ؛ وهو لا يعدو أن يكون عذاب الضالين في الدنيا بأيدي المؤمنين ، أو عذابهم الأكبر يوم الدين - فعندئذ سيعرفون : أي الفريقين شر مكانا وأضعف جندا . ويومئذ يفرح المؤمنون ويعتزون
« وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا »
خير من كل ما يتباهى به أهل الأرض ويتيهون .
ثم يستعرض السياق نموذجا آخر من تبجح الكافرين ، وقولة أخرى من أقوالهم يستنكرها ويعجب منها :
« أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ : لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً ؟ أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً ؟ كَلَّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا . وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً »
. .
ورد في سبب نزول هذه الآيات - بإسناده - عن خباب بن الأرت قال : كنت رجلا قينا ( حدادا ) وكان لي على العاص بن وائل دين فأتيته أتقاضاه منه فقال : لا واللّه لا أقضيك حتى تكفر بمحمد ، فقلت :
لا واللّه ، لا أكفر بمحمد - صلى اللّه عليه وسلم - حتى تموت ثم تبعث . قال : فإني إذا مت ثم بعثت جئتني ولي ثم مال وولد ، فأعطيتك ! فأنزل اللّه :
« أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ : لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً . . .
« 2 »
»
.
وقولة العاص بن وائل نموذج من تهكم الكفار واستخفافهم بالبعث ؛ والقرآن يعجب من أمره ، ويستنكر ادعاءه :
« أَطَّلَعَ الْغَيْبَ ؟ »
فهو يعرف ما هنالك .
« أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً »
فهو واثق من تحققه ؟
ثم يعقب :
« كَلَّا »
. وهي لفظة نفي وزجر . كلا لم يطلع على الغيب ولم يتخذ عند اللّه عهدا ، إنما هو يكفر ويسخر ؛ فالتهديد إذن والوعيد هو اللائق لتأديب الكافرين السافرين :
« كَلَّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا »
. . سنكتب ما يقول فنسجله عليه ليوم الحساب فلا ينسى ولا يقبل المغالطة . . وهو تعبير تصويري
هامش
( 1 ) مظهرا ومنظرا .
( 2 ) البخاري ومسلم .