تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2308

مساهمون:

ص٢٣٠٨
« ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ ، وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا »
حتى تأتي بهذه الفعلة التي لا يأتيها إلا بنات آباء السوء والأمهات البغايا ! وتنفذ مريم وصية الطفل العجيب التي لقنها إياها :
« فَأَشارَتْ إِلَيْهِ »
. . فما ذا نقول في العجب والغيظ الذي ساورهم وهم يرون عذراء تواجههم بطفل ؛ ثم تتبجح فتسخر ممن يستنكرون فعلتها فتصمت وتشير لهم إلى الطفل ليسألوه عن سرها !
« قالُوا : كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ؟ »
. ولكن ها هي ذي الخارقة العجيبة تقع مرة أخرى :
« قالَ : إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ ، آتانِيَ الْكِتابَ ، وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ، وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ ، وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا ، وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا ، وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا »
. وهكذا يعلن عيسى - عليه السلام - عبوديته للّه . فليس هو ابنه كما تدعي فرقة . وليس هو إلها كما تدعي فرقة . وليس هو ثالث ثلاثة هم إله واحد وهم ثلاثة كما تدعي فرقة . . ويعلن أن اللّه جعله نبيا ، لا ولدا ولا شريكا . وبارك فيه ، وأوصاه بالصلاة والزكاة مدة حياته . والبر بوالدته والتواضع مع عشيرته . فله إذن حياة محدودة ذات أمد . وهو يموت ويبعث . وقد قدر اللّه له السلام والأمان والطمأنينة يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا . . والنص صريح هنا في موت عيسى وبعثه . وهو لا يحتمل تأويلا في هذه الحقيقة ولا جدالا . ولا يزيد السياق القرآني شيئا على هذا المشهد . لا يقول : كيف استقبل القوم هذه الخارقة . ولا ما ذا كان بعدها من أمر مريم وابنها العجيب . ولا متى كانت نبوته التي أشار إليها وهو يقول :
« آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا »
. . ذلك أن حادث ميلاد عيسى هو المقصود في هذا الموضع . فحين يصل به السياق إلى ذلك المشهد الخارق يسدل الستار ليعقب بالغرض المقصود في أنسب موضع من السياق ، بلهجة التقرير ، وإيقاع التقرير :
« ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ . قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ . ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ . سُبْحانَهُ . إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ : كُنْ فَيَكُونُ . وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ . هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ »
. . ذلك عيسى ابن مريم ، لا ما يقوله المؤلهون له أو المتهمون لأمه في مولده . . ذلك هو في حقيقته وذلك واقع نشأته . ذلك هو يقول قول الحق الذي فيه يمترون ويشكون . يقولها لسانه ويقولها الحال في قصته :
« ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ »
تعالى وتنزه فليس من شأنه أن يتخذ ولدا . والولد إنما يتخذه الفانون للامتداد ، ويتخذه الضعاف للنصرة . واللّه باق لا يخشى فناء ، قادر لا يحتاج معينا . والكائنات كلها توجد بكلمة كن . وإذا قضى أمرا فإنما يقول له : كن فيكون . . فما يريد تحقيقه يحققه بتوجه الإرادة لا بالولد والمعين . . وينتهي ما يقوله عيسى - عليه السلام - ويقوله حاله بإعلان ربوبية اللّه له وللناس ، ودعوته إلى عبادة اللّه الواحد بلا شريك :
« وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ »
. . فلا يبقى بعد شهادة عيسى وشهادة قصته مجال للأوهام والأساطير . . وهذا هو المقصود بذلك التعقيب في لغة التقرير وإيقاع التقرير .