« قالَ لَهُ صاحِبُهُ - وَهُوَ يُحاوِرُهُ - أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا ؟ لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي ، وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً . وَلَوْ لا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ : ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ . إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَداً . فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ ، وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً
« 1 »
مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً
« 2 »
أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً
« 3 »
فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً »
. . .
وهكذا تنتفض عزة الإيمان في النفس المؤمنة ، فلا تبالي المال والنفر ، ولا تداري الغنى والبطر ، ولا تتلعثم في الحق ، ولا تجامل فيه الأصحاب . وهكذا يستشعر المؤمن أنه عزيز أمام الجاه والمال ، وأن ما عند اللّه خير من أعراض الحياة ، وأن فضل اللّه عظيم وهو يطمع في فضل اللّه . وأن نقمة اللّه جبارة وأنها وشيكة أن تصيب الغافلين المتبطرين .
وفجأة ينقلنا السياق من مشهد النماء والازدهار إلى مشهد الدمار والبوار . ومن هيئة البطر ، والاستكبار إلى هيئة الندم والاستغفار . فلقد كان ما توقعه الرجل المؤمن :
« وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها ، وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ، وَيَقُولُ : يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً »
. .
وهو مشهد شاخص كامل : الثمر كله مدمر كأنما أخذ من كل جانب فلم يسلم منه شيء . والجنة خاوية على عروشها مهشمة محطمة . وصاحبها يقلب كفيه أسفا وحزنا على ماله الضائع وجهده الذاهب . وهو نادم على إشراكه باللّه ، يعترف الآن بربوبيته ووحدانيته . ومع أنه لم يصرح بكلمة الشرك ، إلا أن اعتزازه بقيمة أخرى أرضية غير قيمة الإيمان كان شركا ينكره الآن ، ويندم عليه ويستعيذ منه بعد فوات الأوان .
هنا يتفرد اللّه بالولاية والقدرة : فلا قوة إلا قوته ، ولا نصر إلا نصره . وثوابه هو خير الثواب ، وما يبقى عنده للمرء من خير فهو خير ما يتبقى :
« وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، وَما كانَ مُنْتَصِراً . هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ ، هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً »
. .
ويسدل الستار على مشهد الجنة الخاوية على عروشها ، وموقف صاحبها يقلب كفيه أسفا وندما ، وجلال اللّه يظلل الموقف ، حيث تتوارى قدرة الإنسان . .
وأمام هذا المشهد يضرب مثلا للحياة الدنيا كلها . فإذا هي كتلك الجنة المضروبة مثلا قصيرة قصيرة ، لا بقاء لها ولا قرار :
« وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ ، فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ ، وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً »
. .
هذا المشهد يعرض قصيرا خاطفا ليلقي في النفس ظل الفناء والزوال . فالماء ينزل من السماء فلا يجري ولا
هامش
( 1 ) سيل مدمر يقتل أشجارها ويهلكها .
( 2 ) سطحا أجرد تزل فيه القدم .
( 3 ) غائرا وهو ضد النابع .