تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1874

مساهمون:

ص١٨٧٤
السطحية التي يقيسون بها . وفي الوقت ذاته يقرر لهم المبدأ العظيم القويم . مبدأ الاختيار في العقيدة ، والاقتناع بالنظر والتدبر ، لا بالقهر والسلطان والاستعلاء !
« وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالًا ، إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ، وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا ، إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ ، وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ »
. يا قوم إن الذين تدعونهم أراذل قد دعوتهم فآمنوا ، وليس لي عند الناس إلا أن يؤمنوا . إنني لا أطلب مالا على الدعوة ، حتى أكون حفيا بالأثرياء غير حفي بالفقراء ؛ فالناس كلهم عندي سواء . . ومن يستغن عن مال الناس يتساو عنده الفقراء والأغنياء . .
« إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ »
. . عليه وحده دون سواه .
« وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا »
. . ونفهم من هذا الرد أنهم طلبوا أو لوحوا له بطردهم من حوله ، حتى يفكروا هم في الإيمان به ، لأنهم يستنكفون أن يلتقوا عنده بالأراذل ، أو أن يكونوا وإياهم على طريق واحد ! - لست بطاردهم ، فهذا لا يكون مني . لقد آمنوا وأمرهم بعد ذلك إلى اللّه لا لي :
« إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ »
. .
« وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ »
. . تجهلون القيم الحقيقية التي يقدر بها الناس في ميزان اللّه . وتجهلون أن مرد الناس كلهم إلى اللّه .
« وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ . أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ؟ »
. . فهناك اللّه . رب الفقراء والأغنياء . رب الضعفاء والأقوياء . هناك اللّه يقوّم الناس بقيم أخرى . ويزنهم بميزان واحد . هو الإيمان . فهؤلاء المؤمنون في حماية اللّه ورعايته .
« وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ ؟ »
. . من يعصمني من اللّه إن أنا أخللت بموازينه ، وبغيت على المؤمنين من عباده - وهم أكرم عليه - وأقررت القيم الأرضية الزائفة التي أرسلني اللّه لأعدّ لها لا لأتبعها ؟
« أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ؟ »
. . وقد أنساكم ما أنتم فيه ميزان الفطرة السليمة القويمة ؟ ثم يقدم لهم شخصه ورسالته مجردين عن كل زخرف وكل طلاء وكل قيمة من تلك القيم العرضية الزائفة . يقدمها لهم في معرض التذكير ، ليقرر لهم القيم الحقيقية ، ويزدري أمامهم القيم الظاهرية ، بتخلية عنها ، وتجرده منها . فمن شاء الرسالة كما هي ، بقيمها ، بدون زخرف ، بدون ادعاء ، فليتقدم إليها مجردة خالصة للّه :
« وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ . . »
فأدعي الثراء أو القدرة على الإثراء . . .
« وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ »
. . فأدعي قدرة ليست للبشر أو صلة باللّه غير صلة الرسالة . .
« وَلا أَقُولُ : إِنِّي مَلَكٌ »
. .
في ظلال القرآن — صفحة 1874 | سيد قطب