ولقد أخبرهم بوعد اللّه له وبما أطلعه اللّه عليه في رؤياه الكاشفة الصادقة . ومنه شجرة الزقوم التي يخوف اللّه بها المكذبين . فكذبوا بذلك حتى قال أبو جهل متهكما : هاتوا لنا تمرا وزبدا ، وجعل يأكل من هذا بهذا ويقول : تزقموا فلا نعلم الزقوم غير هذا ! فما ذا كانت الخوارق صانعة مع القوم لو كانت هي آية رسالته كما كانت علامة الرسالات قبله ومعجزة المرسلين ؟ وما زادتهم خارقة الإسراء ولا زادهم التخويف بشجرة الزقوم إلا طغيانا كبيرا ؟
إن اللّه لم يقدر إهلاكهم بعذاب من عنده . ومن ثم لم يرسل إليهم بخارقة . فقد اقتضت إرادته أن يهلك المكذبين بالخوارق . أما قريش فقد أمهلت ولم تؤخذ بالإبادة كقوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب . .
ومن المكذبين من آمن بعد ذلك وكان من جند الإسلام الصادقين . ومنهم من أنجب المؤمنين الصادقين . وظل القرآن - معجزة الإسلام - كتابا مفتوحا لجيل محمد - صلى اللّه عليه وسلم - وللأجيال بعده ، فآمن به من لم يشهد الرسول وعصره وصحابته . إنما قرأ القرآن أو صاحب من قرأه . وسيبقى القرآن كتابا مفتوحا للأجيال ، يهتدي به من هم بعد في ضمير الغيب ، وقد يكون منهم من هو أشد إيمانا وأصلح عملا ، وأنفع للإسلام من كثير سبقوه . .
وفي ظل الرؤيا التي رآها الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - واطلع فيها على ما اطلع من عوالم ، والشجرة الملعونة التي يطعم منها أتباع الشياطين . . يجيء مشهد إبليس الملعون ، يهدد ويتوعد بإغواء الضالين :
« وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ : اسْجُدُوا لِآدَمَ . فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ . قالَ : أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً ؟ قالَ : أَ رَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا . قالَ : اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً . وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ ، وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ ، وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ . وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً . إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ . وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا »
. .
إن السياق يكشف عن الأسباب الأصيلة لضلال الضالين ، فيعرض هذا المشهد هنا ، ليحذر الناس وهم يطلعون على أسباب الغواية ، ويرون إبليس عدوهم وعدو أبيهم يتهددهم بها ، عن إصرار سابق قديم !
« وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ : اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قالَ : أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً ؟ »
إنه حسد إبليس لآدم يجعله يذكر الطين ويغفل نفخة اللّه في هذا الطين ! ويعرض إبليس بضعف هذا المخلوق واستعداده للغواية ، فيقول في تبجح :
« أَ رَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ ؟ »
أترى هذا المخلوق الذي جعلته أكرم مني عندك ؟
« لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا »
. . فلأستولين عليهم وأحتويهم وأملك زمامهم وأجعلهم في قبضة يدي أصرف أمرهم .
ويغفل إبليس عن استعداد الإنسان للخير والهداية استعداده للشر والغواية . عن حالته التي يكون فيها متصلا باللّه فيرتفع ويسمو ويعتصم من الشر والغواية ، ويغفل عن أن هذه هي مزية هذا المخلوق التي ترفعه على ذوي الطبيعة المفردة التي لا تعرف إلا طريقا واحدا تسلكه بلا إرادة . فالإرادة هي سر هذا المخلوق العجيب .
وتشاء إرادة اللّه أن يطلق لرسول الشر والغواية الزمام ، يحاول محاولته مع بني الإنسان :