اللّه . ليس لهم سوى هذه الكلمة من قول ولا جواب ! وهو جواب عجيب ممن كانوا ينكرون اليوم كله وينكرون اللّه ، فلا يكون لهم جواب إلا أن يقولوا : الحمد للّه . الحمد للّه ! ويومئذ تنطوي الحياة الدنيا كما ينطوي الظل :
« وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا »
.
وتصوير الشعور بالدنيا على هذا النحو يصغر من قيمتها في نفوس المخاطبين ، فإذا هي قصيرة قصيرة ، لا يبقى من ظلالها في النفس وصورها في الحس ، إلا أنها لمحة مرت وعهد زال وظل تحول ، ومتاع قليل .
ثم يلتفت السياق عن هؤلاء المكذبين بالبعث والنشور ، المستهزئين بوعد اللّه وقول الرسول ، المنغضين رؤوسهم المتهكمين المتهجمين . . يلتفت عنهم إلى عباد اللّه المؤمنين ليوجههم الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - أن يقولوا الكلمة الطيبة وينطقوا دائما بالحسنى :
« وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ . إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ ، إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً »
.
« وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ »
على وجه الإطلاق وفي كل مجال . فيختاروا أحسن ما يقال ليقولوه . .
بذلك يتقون أن يفسد الشيطان ما بينهم من مودة . فالشيطان ينزغ بين الإخوة بالكلمة الخشنة تفلت ، وبالرد السيّئ يتلوها فإذا جو الود والمحبة والوفاق مشوب بالخلاف ثم بالجفوة ثم بالعداء . والكلمة الطيبة تأسو جراح القلوب ، تندّي جفافها ، وتجمعها على الود الكريم .
« إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً »
. .
يتلمس سقطات فمه وعثرات لسانه ، فيغري بها العداوة والبغضاء بين المرء وأخيه . والكلمة الطيبة تسد عليه الثغرات ، وتقطع عليه الطريق ، وتحفظ حرم الأخوة آمنا من نزغاته ونفثاته .
وبعد هذه اللفتة يعود السياق إلى مصائر القوم يوم يدعوهم فيستجيبون بحمده ، فإذا المصير كله بيد اللّه وحده ، إن شاء رحم ، وإن شاء عذب ، وهم متروكون لقضاء اللّه ، وما الرسول عليهم بوكيل ، إن هو إلا رسول :
« رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ ، إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ ، وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا . وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »
. .
فالعلم المطلق للّه . وهو يرتب على كامل علمه بالناس رحمتهم أو عذابهم . وعند البلاغ تنتهي وظيفة الرسول .
وعلم اللّه الكامل يشمل من في السماوات والأرض من ملائكة ورسل وإنس وجن ، وكائنات لا يعلم إلا اللّه ما هي ؟ وما قدرها ؟ وما درجتها .
وبهذا العلم المطلق بحقائق الخلائق فضل اللّه بعض النبيين على بعض :
« وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ »
. وهو تفضيل يعلم اللّه أسبابه . أما مظاهر هذا التفضيل فقد سبق الحديث عنها في الجزء الثالث من هذه الظلال عند تفسير قوله تعالى :
« تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ »
. .
فيراجع في موضعه هناك :
« وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً »
. . وهو نموذج من عطاء اللّه لأحد أنبيائه ، ومن مظاهر التفضيل أيضا . إذ كانت