والناس مواهب وطاقات . فيحسب من لا يدقق أن لا علاقة للرزق بالمقدرة ، وإنما هي مقدرة خاصة في جانب من جوانب الحياة . وقد تكون بسطة الرزق ابتلاء من اللّه ، كما يكون التضييق فيه لحكمة يريدها ويحققها بالابتلاء . . وعلى أية حال فإن التفاوت في الرزق ظاهرة ملحوظة تابعة لاختلاف في المواهب - وذلك حين تمتنع الأسباب المصطنعة الظالمة التي توجد في المجتمعات المختلة - والنص يشير إلى هذه الظاهرة التي كانت واقعة في المجتمع العربي ؛ ويستخدمها في تصحيح بعض أوهام الجاهلية الوثنية التي يزاولونها ، والتي سبقت الإشارة إليها . ذلك حين كانوا يعزلون جزءا من رزق اللّه الذي أعطاهم ويجعلونه لآلهتهم المدعاة . فهو يقول عنهم هنا : إنهم لا يردون جزءا من أموالهم على ما ملكت أيمانهم من الرقيق . ( وكان هذا أمرا واقعا قبل الإسلام ) ليصبحوا سواء في الرزق . فما بالهم يردون جزءا من مال اللّه الذي رزقهم إياه على آلهتهم المدعاة ؟
« أَ فَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ؟ »
فيجازون النعمة بالشرك ، بدل الشكر للمنعم المتفضل الوهاب ؟ .
واللمسة الثالثة في الأنفس والأزواج والأبناء والأحفاد وتبدأ بتقرير الصلة الحية بين الجنسين :
« جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً »
فهن من أنفسكم ، شطر منكم ، لا جنس أحط يتوارى من يبشر به ويحزن !
« وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً »
والإنسان الفاني يحس الامتداد في الأبناء والحفدة ، ولمس هذا الجانب في النفس يثير أشد الحساسية . . ويضم إلى هبة الأبناء والأحفاد هبة الطيبات من الرزق للمشاكلة بين الرزقين ليعقب عليها بسؤال استنكاري :
« أَ فَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ؟ »
فيشركون به ويخالفون عن أمره .
وهذه النعم كلها من عطائه . وهي آيات على ألوهيته وهي واقعة في حياتهم ، تلابسهم في كل آن . .
أفبالباطل يؤمنون ؟ وما عدا اللّه باطل ، وهذه الآلهة المدعاة ، والأوهام المدعاة كلها باطل لا وجود له ، ولا حق فيه . وبنعمة اللّه هم يكفرون ، وهي حق يلمسونه ويحسونه ويتمتعون به ثم يجحدونه .
« وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ »
. .
وإنه لعجيب أن تنحرف الفطرة إلى هذا الحد ، فيتجه الناس بالعبادة إلى ما لا يملك لهم رزقا وما هو بقادر في يوم من الأيام ، ولا في حال من الأحوال . ويدعون اللّه الخالق الرازق ، وآلاؤه بين أيديهم لا يملكون إنكارها ، ثم يجعلون للّه الأشباه والأمثال !
« فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ . إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ »
. .
إنه ليس للّه مثال ، حتى تضربوا له الأمثال .
ثم يضرب لهم مثلين للسيد المالك الرازق وللمملوك العاجز الذي لا يملك ولا يكسب . لتقريب الحقيقة الكبرى التي غفلوا عنها . حقيقة أن ليس للّه مثال ، وما يجوز أن يسووا في العبادة بين اللّه وأحد من خلقه وكلهم لهم عبيد :
« ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ، وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً . هَلْ يَسْتَوُونَ ؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ . بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ . « وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ : أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ . هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ؟ »
والمثل الأول مأخوذ من واقعهم ، فقد كان لهم عبيد مملوكون ، لا يملكون شيئا ولا يقدرون على شيء .
وهم لا يسوون بين العبد المملوك العاجز والسيد المالك المتصرف . فكيف يسوون بين سيد العباد ومالكهم وبين أحد أو شيء مما خلق . وكل مخلوقاته له عبيد ؟