تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2169

مساهمون:

ص٢١٦٩
« إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ »
. .
« الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ »
فيعود السياق بهم خطوة قبل خطوة القيامة . يعود بهم إلى ساعة الاحتضار ، والملائكة تتوفاهم ظالمين لأنفسهم بما حرموها من الإيمان واليقين ، وبما أوردوها موارد الهلاك ، وبما قادوها في النهاية إلى النار والعذاب . ويرسم مشهدهم في ساعة الاحتضار ، وهم قريبو عهد بالأرض ، وما لهم فيها من كذب ومكر وكيد :
« فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ ! »
ألقوا السلم . هؤلاء المستكبرون . فإذا هم مستسلمون لا يهمون بنزاع أو خصام ، إنما يلقون السلم ويعرضون الاستسلام ! ثم يكذبون - ولعله طرف من مكرهم في الدنيا - فيقولون مستسلمين :
« ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ »
! وهو مشهد مخز وموقف مهين لأولئك المستكبرين ! ويجيئهم الجواب :
« بَلى »
من العليم بما كان منهم
« إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ »
فلا سبيل إلى الكذب والمغالطة والتمويه . ويجيئهم الجزاء جزاء المتكبرين :
« فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها ، فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ »
! وعلى الجانب الآخر . . الذين اتقوا . . يقابلون المنكرين المستكبرين في المبدأ والمصير :
« وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا : ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ ؟ قالُوا : خَيْراً . لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ، وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ ، وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ . جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ، لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ ، كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ . الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ ، يَقُولُونَ : سَلامٌ عَلَيْكُمْ ، ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ »
. . إن المتقين يدركون أن الخير هو قوام هذه الدعوة ، وقوام ما أنزل ربهم من أمر ونهي وتوجيه وتشريع . فيلخصون الأمر كله في كلمة :
« قالُوا : خَيْراً »
ثم يفصلون هذا الخير حسبما علموا مما أنزل اللّه :
« لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ »
حياة حسنة ومتعة حسنة ، ومكانة حسنة .
« وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ »
من هذه الدار الدنيا
« وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ »
. . ثم يفصل ما أجمل . عن هذه الدار . فإذا هي
« جَنَّاتُ عَدْنٍ »
للإقامة
« تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ »
رخاء .
« لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ »
فلا حرمان ولا كد ، ولا حدود للرزق كما هي الحياة الدنيا . .
« كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ »
. ثم يعود السياق خطوة بالمتقين كما عاد من قبلهم خطوة بالمستكبرين . فإذا هم في مشهد الاحتضار وهو مشهد هين لين كريم :
« الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ »
طيبة نفوسهم بلقاء اللّه ، معافين من الكرب وعذاب الموت .
« يَقُولُونَ : سَلامٌ عَلَيْكُمْ »
طمأنة لقلوبهم وترحيبا بقدومهم
« ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ »
تعجيلا لهم بالبشرى ، وهم على عتاب الآخرة ، جزاء وفاقا على ما كانوا يعملون . وفي ظل هذا المشهد بشقيه . مشهد الاحتضار ومشهد البعث . يعقب السياق بسؤال عن المشركين من قريش : ما ذا ينتظرون ؟ أينتظرون الملائكة فتتوفاهم ؟ أم ينتظرون أمر اللّه فيبعثهم . وهذا ما ينتظرهم عند الوفاة ، وما ينتظرهم يوم يبعثهم اللّه ! أو ليس في مصير المكذبين قبلهم وقد شهدوه ممثلا في ذينك المشهدين عبرة وغناء :
« هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ ؟ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ، وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ، وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ . فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا ، وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ »
. .
في ظلال القرآن — صفحة 2169 | سيد قطب