والإنسان حفيظ على خصائص فطرته ومسؤول عنها أمام اللّه . والنظام الذي يقيمه الإسلام للناس حفيظ على هذه الخصائص التي لم يهبها اللّه جزافا للإنسان .
والذي يريد قتل النوازع الفطرية الحيوانية في الإنسان يدمر كيانه المتفرد . ومثله الذي يريد قتل النوازع الفطرية الخاصة بالإنسان دون الحيوان من الاعتقاد في اللّه والإيمان بالغيب الذي هو من خصائص الإنسان . .
والذي يسلب الناس عقائدهم يدمر كينونتهم البشرية ، كالذي يسلب الناس طعامهم وشرابهم ومطالبهم الحيوية سواء . . كلاهما عدو « للإنسان » يجب أن يطارده كما يطارد الشيطان ! إن الإنسان حيوان وزيادة . . فله مثل مطالب الحيوان ، وله ما يقابل هذه الزيادة . وليست هذه المطالب دون هذه هي « المطالب الأساسية » كما يزعم أعداء الإنسان من أصحاب المذاهب المادية « العلمية » .
هذه بعض الخواطر التي تطلقها في النفس حقيقة تكوين الإنسان ، كما يقررها القرآن . نمر بها سراعا ، حتى لا نوقف تدفق النص القرآني في عرض مشاهد القصة الكبرى ، راجين أن نعود إليها ببعض التعقيبات في نهايتها :
لقد قال اللّه للملائكة : « إني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون . فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين » . .
وقد كان ما قاله اللّه . فقوله - تعالى - إرادة . وتوجه الإرادة ينشئ الخلق المراد . ولا نملك أن نسأل كيف تلبست نفخة اللّه الأزلي الباقي بالصلصال المخلوق الفاني . فالجدل على هذا النحو عبث عقلي . بل عبث بالعقل ذاته ، وخروج به عن الدائرة التي يملك فيها أسباب التصور والإدراك والحكم . وكل ما ثار من الجدل حول هذا الموضوع وكل ما يثور إن هو إلا جهل بطبيعة العقل البشري وخصائصه وحدوده ، وإقحام له في غير ميدانه ، ليقيس عمل الخالق إلى مدركات الإنسان ، وهو سفه في إنفاق الطاقة العقلية ، وخطأ في المنهج من الأساس . إنه يقول : كيف يتلبس الخالد بالفاني ، وكيف يتلبس الأزلي بالحادث ؟ ثم ينكر أو يثبت ويعلل ! بينما العقل الإنساني ليس مدعوا أصلا للفصل في الموضوع . لأن اللّه يقول : إن هذا قد كان . ولا يقول :
كيف كان . فالأمر إذن ثابت ولا يملك العقل البشري أن ينفيه . وكذلك هو لا يملك أن يثبته بتفسير من عنده - غير التسليم بالنص - لأنه لا يملك وسائل الحكم . فهو حادث . والحادث لا يملك وسائل الحكم على الأزلي في ذاته ، ولا على الأزلي في خلقه للحادث . وتسليم العقل ابتداء بهذه البديهية أو القضية - وهي أن الحادث لا يملك وسائل الحكم على الأزلي في أي صورة من صوره . يكفي ليكف العقل عن إنفاق طاقته سفها في غير مجاله المأمون .
فلننظر بعد ذلك ما ذا كان :
« فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ »
. .
كما هي طبيعة هذا الخلق - الملائكة - الطاعة المطلقة بلا جدل أو تعويق .
« إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ »
. .
وإبليس خلق آخر غير الملائكة . فهو من نار وهم من نور . وهم لا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون .
وهو أبى وعصى . فليس هو من الملائكة بيقين . أما الاستثناء هنا فليس على وجهه . إنما هو كما تقول : حضر بنو فلان إلا أحمد . وليس منهم . إنما هو معهم في كل مكان أو ملابسة . وأما أن الأمر المذكور للملائكة : « وإذ