إن تميز المسلم بعقيدته في المجتمع الجاهلي ، لا بد أن يتبعه حتما تميزه بتجمعه الإسلامي وقيادته وولائه . .
وليس في ذلك اختيار . . إنما هي حتمية من حتميات التركيب العضوي للمجتمعات . . هذا التركيب الذي يجعل التجمع الجاهلي حساسا بالنسبة لدعوة الإسلام القائمة على قاعدة عبودية الناس للّه وحده ؛ وتنحية الأرباب الزائفة عن مراكز القيادة والسلطان . كما يجعل كل عضو مسلم يتميع في المجتمع الجاهلي خادما للتجمع الجاهلي لا خادما لإسلامه كما يظن بعض الأغرار « 1 » ! ثم تبقى الحقيقة القدرية التي ينبغي ألا يغفل عنها الدعاة إلى اللّه في جميع الأحوال . وهي أن تحقيق وعد اللّه لأوليائه بالنصر والتمكين ؛ والفصل بينهم وبين قومهم بالحق ، لا يقع ولا يكون ، إلا بعد تميز أصحاب الدعوة وتحيزهم ؛ وإلا بعد مفاصلتهم لقومهم على الحق الذي معهم . . فذلك الفصل من اللّه لا يقع وأصحاب الدعوة متميعون في المجتمع الجاهلي ، ذائبون في أوضاعه عاملون في تشكيلاته . . وكل فترة تميع على هذا النحو هي فترة تأخير وتأجيل لوعد اللّه بالنصر والتمكين . . وهي تبعة ضخمة هائلة يجب أن يتدبرها أصحاب الدعوة إلى اللّه ، وهم واعون مقدرون . .
* وأخيرا . . نقف أمام الجمال الباهر الذي يعرض فيه القرآن الكريم موكب الإيمان ، وهو يواجه الجاهلية الضالة على مدار الزمان . . جمال الحق الفطري البسيط الواضح العميق ، الواثق المطمئن ، الرصين المكين :
« قالَتْ رُسُلُهُمْ : أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ، وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ؟ »
. .
. . .
« قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ : إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ، وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ، وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ . وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا ، وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا ، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ »
. .
وهذا الجمال الباهر إنما ينشأ من هذا العرض الذي يجعل الرسل موكبا موحدا في مواجهة الجاهلية الموحدة ؛ ويصور الحقيقة الباقية من وراء الملابسات المتغيرة ؛ ويبرز المعالم المميزة للدعوة التي يحملها الرسل وللجاهلية التي تواجههم ، من وراء الزمان والمكان ، ومن وراء الأجناس والأقوام ! ثم يتجلى هذا الجمال في كشف الصلة بين الحق الذي تحمله دعوة الرسل الكرام ، والحق الكامن في كيان هذا الوجود :
« قالَتْ رُسُلُهُمْ : أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ؟ »
. .
« وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا ؟ »
. .
« أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ، إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ، وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ »
. .
وهكذا تتجلى العلاقة العميقة بين الحق في هذه الدعوة ، والحق الكامن في الوجود كله . ويبدو أنه حق واحد موصول باللّه الحق ، ثابت وطيد عميق الجذور :
« كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ »
. .
وأن ما عداه هو الباطل الزائل
« كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ »
. .
هامش
( 1 ) يراجع بتوسع فصل : « نشأة المجتمع المسلم وخصائصه » في كتاب « معالم في الطريق » . « دار الشروق » .