ومنذ اللحظة نحن أمام مفاجأة في القصة بعد مفاجأة ، حتى تنتهي مشاهدها المثيرة بتأويل رؤيا الصبي الصغير .
« ولما فصلت العير قال أبوهم : إني لأجد ريح يوسف . لولا أن تفندون ! » . .
ريح يوسف ! كل شيء إلا هذا . فما يخطر على بال أحد أن يوسف بعد في الأحياء بعد هذا الأمد الطويل .
وأن له ريحا يشمها هذا الشيخ الكليل ! إني لأجد ريح يوسف . لولا أن تقولوا شيخ خرف : « لولا أن تفندون » . . لصدقتم معي ما أجده من ريح الغائب البعيد .
كيف وجد يعقوب ريح يوسف منذ أن فصلت العير . ومن أين فصلت ؟ يقول بعض المفسرين : إنها منذ فصلت من مصر ، وأنه شم رائحة القميص من هذا المدى البعيد . ولكن هذا لا دلالة عليه . فربما كان المقصود لما فصلت العير عند مفارق الطرق في أرض كنعان ، واتجهت إلى محلة يعقوب على مدى محدود .
ونحن بهذا لا ننكر أن خارقة من الخوارق يمكن أن تقع لنبي كيعقوب من ناحية نبي كيوسف . كل ما هنالك أننا نحب أن نقف عند حدود مدلول النص القرآني أو رواية ذات سند صحيح . وفي هذا لم ترد رواية ذات سند صحيح . ودلالة النص لا تعطي هذا المدى الذي يريده المفسرون ! ولكن المحيطين بيعقوب لم يكن لهم ما له عند ربه ، فلم يجدوا ما وجد من رائحة يوسف :
« قالوا : تاللّه . إنك لفي ضلالك القديم » . .
في ضلالك بيوسف ، وضلالك بانتظاره وقد ذهب مذهب الذي لا يعود .
ولكن المفاجأة البعيدة تقع ، وتتبعها مفاجأة أخرى :
« فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه ، فارتد بصيرا » . .
مفاجأة القميص . وهو دليل على يوسف وقرب لقياه . ومفاجأة ارتداد البصر بعد ما ابيضت عيناه . . وهنا يذكر يعقوب حقيقة ما يعلمه من ربه . تلك التي حدثهم بها من قبل فلم يفهموه :
« قال : ألم أقل لكم : إني أعلم من اللّه ما لا تعلمون ؟ » . .
« قالُوا : يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ »
. .
ونلمح هنا أن في قلب يعقوب شيئا من بنيه ، وأنه لم يصف لهم بعد ، وإن كان يعدهم باستغفار اللّه لهم بعد أن يصفو ويسكن ويستريح :
« قال : سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم » .
وحكاية عبارته بكلمة « سوف » لا تخلو من إشارة إلى قلب إنساني مكلوم . .
ويمضي السياق في مفاجئات القصة . فيطوي الزمان والمكان ، لنلتقي في المشهد النهائي المؤثر المثير :
« فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه . وقال : ادخلوا مصر إن شاء اللّه آمنين . ورفع أبويه على العرش ، وخروا له سجدا ، وقال : يا أبت ، هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا ، وقد أحسن بي إذ أخرجني