المشركين بهذا القرآن الذي يكذبون به ، أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات - كما يزعمون أن هذا القرآن مفترى - وتثبيت الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - والقلة المؤمنة معه بهذا التحدي من اللّه وبذلك العجز من المشركين ! ومع هذا التحدي تهديد قاصم للمكذبين بما ينتظرهم في الآخرة من العذاب الذي يستعجلون به ويكذبون .
وهم الذين لا يطيقون أن تنزع منهم رحمة اللّه في الدنيا ، ولا يصبرون على ابتلائه فيها وهو أيسر من عذاب الآخرة ! ثم يجسم هذا التهديد في مشهد من مشاهد القيامة ؛ يتمثل فيه موقف المكذبين بهذا القرآن من أحزاب المشركين ؛ ويتبين فيه عجزهم وعجز أوليائهم عن إنقاذهم من العذاب الأليم ، المصحوب بالخزي والتشهير والتنديد والتأنيب . وفي الصفحة المقابلة من المشهد . . الذين آمنوا وعملوا الصالحات وما ينتظرهم من الثواب والنعيم والتكريم . . ومشهد مصور للفريقين - على طريقة القرآن الكريم في التعبير بالتصوير - :
« مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ ، هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا ؟ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ؟ »
. .
« الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ . أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ، إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ، وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ، يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ، وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ، وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ . إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ . وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ »
. .
إنها جملة الحقائق الاعتقادية الأساسية :
* إثبات الوحي والرسالة .
* العبودية للّه وحده بلا شريك .
* جزاء اللّه في الدنيا والآخرة لمن يهتدون بهداه ويتبعون منهجه للحياة .
* جزاء اللّه في الآخرة للمكذبين ، وعودة الجميع إلى اللّه عصاة وطائعين .
* قدرته المطلقة وسلطانه غير المحدود .
« ألف . لام . راء » مبتدأ ، خبره :
« كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ »
. . وهذا الكتاب المؤلف من مثل هذه الأحرف هو الذي يكذبون به . وهم عن شيء من مثله عاجزون !
« كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ »
. .
أحكمت آياته ، فجاءت قوية البناء ، دقيقة الدلالة ، كل كلمة فيها وكل عبارة مقصودة ، وكل معنى فيها وكل توجيه مطلوب ، وكل إيماءة وكل إشارة ذات هدف معلوم . متناسقة لا اختلاف بينها ولا تضارب ، ومنسقة ذات نظام واحد . ثم فصلت . فهي مقسمة وفق أغراضها ، مبوبة وفق موضوعاتها ، وكل منها له حيز بمقدار ما يقتضيه .
أما من أحكمها ، ومن فصلها على هذا النحو الدقيق ؟ فهو اللّه سبحانه ، وليس هو الرسول :
« مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ »
. .