« 1 » وهذه هي الحلقة الثالثة والمحنة الثالثة والأخيرة من محن الشدة في حياة يوسف ؛ فكل ما بعدها رخاء ، وابتلاء لصبره على الرخاء ، بعد ابتلاء صبره على الشدة . والمحنة في هذه الحلقة هي محنة السجن بعد ظهور البراءة . والسجن للبريء المظلوم أقسى ، وإن كان في طمأنينة القلب بالبراءة تعزية وسلوى .
وفي فترة المحنة هذه تتجلى نعمة اللّه على يوسف ، بما وهبه من علم لدني بتعبير الرؤيا وبعض الغيب القريب الذي تبدو أوائله فيعرف تأويله . ثم تتجلى نعمة اللّه عليه أخيرا بإعلان براءته الكاملة إعلانا رسميا بحضرة الملك ، وظهور مواهبه التي تؤهله لما هو مكنون له في عالم الغيب من مكانة مرموقة وثقة مطلقة ، وسلطان عظيم .
« ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين » . .
وهكذا جو القصور ، وجو الحكم المطلق ، وجو الأوساط الأرستقراطية ، وجو الجاهلية ! فبعد أن رأوا الآيات الناطقة ببراءة يوسف . وبعد أن بلغ التبجح بامرأة العزيز أن تقيم للنسوة حفل استقبال تعرض عليهن فتاها الذي شغفها حبا ، ثم تعلن لهم أنها به مفتونة حقا ، ويفتتن هن به ويغرينه بما يلجأ إلى ربه ليغيثه منه وينقذه ، والمرأة تعلن في مجتمع النساء - دون حياء - أنه إما أن يفعل ما يؤمر به ، وإما أن يلقى السجن والصغار ، فيختار السجن على ما يؤمر به ! .
بعد هذا كله ، بدا لهم أن يسجنوه إلى حين ! ولعل المرأة كانت قد يئست من محاولاتها بعد التهديد ؛ ولعل الأمر كذلك قد زاد انتشارا في طبقات الشعب الأخرى . . وهنا لا بد أن تحفظ سمعة « البيوتات » ! وإذا عجز رجال البيوتات عن صيانة بيوتهن ونسائهن ، فإنهم ليسوا بعاجزين عن سجن فتى بريء كل جريمته أنه لم يستجب ، وأن امرأة من « الوسط الراقي ! » قد فتنت به ، وشهرت بحبه ، ولاكت الألسن حديثها في الأوساط الشعبية !
« وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ »
. .
سنعرف من بعد أنهما من خدم الملك الخواص . .
ويختصر السياق ما كان من أمر يوسف في السجن ، وما ظهر من صلاحه وإحسانه ، فوجه إليه الأنظار ، وجعله موضع ثقة المساجين ، وفيهم الكثيرون ممن ساقهم سوء الطالع مثله للعمل في القصر أو الحاشية ،
هامش
( 1 ) ينتهي الجزء هنا .