تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1982

مساهمون:

ص١٩٨٢
اللحظات . فلما أن رأى برهان ربه الذي نبض في ضميره وقلبه ، بعد لحظة الضعف الطارئة ، عاد إلى الاعتصام والتأبي « 1 » .
« كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ ، إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ »
. .
« وَاسْتَبَقَا الْبابَ »
. . فهو قد آثر التخلص بعد أن استفاق . . وهي عدت خلفه لتمسك به ، وهي ما تزال في هياجها الحيواني .
« وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ »
. . نتيجة جذبها له لترده عن الباب . . وتقع المفاجأة :
« وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ »
. . وهنا تتبدى المرأة المكتملة ، فتجد الجواب حاضرا على السؤال الذي يهتف به المنظر المريب . إنها تتهم الفتى :
« قالَتْ : ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً ؟ »
. . ولكنها امرأة تعشق ، فهي تخشى عليه ، فتشير بالعقاب المأمون .
« إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ »
! ويجهر يوسف بالحقيقة في وجه الاتهام الباطل :
« قالَ : هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي »
! وهنا يذكر السياق أن أحد أهلها حسم بشهادته في هذا النزاع :
« وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها : إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ ، وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ »
. . فأين ومتى أدلى هذا الشاهد بشهادته هذه ؟ هل كان مع زوجها ( سيدها بتعبير أهل مصر ) وشهد الواقعة ؟ أم أن زوجها استدعاه وعرض عليه الأمر ، كما يقع في مثل هذه الأحوال أن يستدعي الرجل كبيرا من أسرة المرأة ويطلعه على ما رأى ، وبخاصة تلك الطبقة الباردة الدم المائعة القيم ! هذا وذلك جائز . وهو لا يغير من الأمر شيئا . وقد سمي قوله هذا شهادة ، لأنه لما سئل رأيه في الموقف والنزاع المعروض من الجانبين - ولكل منها ومن يوسف قول - سميت فتواه هذه شهادة ، لأنها تساعد على تحقيق النزاع والوصول إلى الحق فيه . . فإن كان قميصه قد من قبل فذلك إذن من أثر مدافعتها له وهو يريد الاعتداء عليها فهي صادقة وهو كاذب . وإن كان قميصه قد من دبر فهو إذن من أثر تملصه منها وتعقبها هي
هامش
( 1 ) قال الزمخشري في الكشاف : « فإن قلت : كيف جاز على نبي اللّه أن يكون منه هم بالمعصية وقصد إليها ؛ قلت : المراد أن نفسه مالت إلى المخالطة ، ونازعت إليها عن شهوة الشباب وقرمه ميلا يشبه الهم به والقصد إليه ، وكما تقتضيه صورة تلك الحال التي تكاد تذهب بالعقول والعزائم ، وهو يكسر ما به ويرده بالنظر في برهان اللّه المأخوذ على المكلفين من وجوب اجتناب المحارم . ولو لم يكن ذلك الميل الشديد المسمى هما لشدته لما كان صاحبه ممدوحا عند اللّه بالامتناع ، لأن استعظام الصبر على الابتلاء على حسب عظم الابتلاء وشدته » . . انتهى . وهو تعليل صحيح في جملته بغض النظر عن الإشارة الاعتزالية في قول الزمخشري : « ويرده بالنظر في برهان اللّه المأخوذ على المكلفين من وجوب اجتناب المحارم » . فهو إشارة منه إلى مذهب المعتزلة في أن البرهان عقلي . والبرهان الذي أخذه اللّه على المكلفين هو ما قرره في شريعته . . ولكن هذا خلاف مذهبي تاريخي لا شأن لنا به . فهو بجملته غريب على التصور الإسلامي !
في ظلال القرآن — صفحة 1982 | سيد قطب