تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1976

مساهمون:

ص١٩٧٦
وهم ينفونها ، ويكادون يتهكمون بها . فلم يكن من المستساغ أن يذهبوا في الصباح ليتركوا يوسف للذئب الذي حذرهم أبوهم منه أمس ! وبمثل هذا التسرع جاءوا على قميصه بدم كذب لطخوه به في غير إتقان . فكان ظاهر الكذب حتى ليوصف بأنه كذب . . فعلوا هذا .
« وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ قالُوا : يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ »
. . ويحسون أنها مكشوفة ، ويكاد المريب أن يقول خذوني ، فيقولون :
« وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ »
. . أي وما أنت بمطمئن لما نقوله ، ولو كان هو الصدق ، لأنك تشك فينا ولا تطمئن لما نقول . وأدرك يعقوب من دلائل الحال ، ومن نداء قلبه ، أن يوسف لم يأكله الذئب ، وأنهم دبروا له مكيدة ما . وأنهم يلفقون له قصة لم تقع ، ويصفون له حالا لم تكن ، فواجههم بأن نفوسهم قد حسنت لهم أمرا منكرا وذللته ويسرت لهم ارتكابه ؛ وأنه سيصبر متحملا متجملا لا يجزع ولا يفزع ولا يشكو ، مستعينا باللّه على ما يلفقونه من حيل وأكاذيب :
« قالَ : بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً . فَصَبْرٌ جَمِيلٌ . وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ »
. ثم لنعد سريعا إلى يوسف في الجب ، لنرى المشهد الأخير في هذه الحلقة الأولى من حلقات القصة :
« وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ ، فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ ، فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ : يا بُشْرى . هذا غُلامٌ . وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ . وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ ، وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ »
. . لقد كان الجب على طريق القوافل ، التي تبحث عن الماء في مظانه ، في الآبار وفي مثل هذا الجب الذي ينزل فيه ماء المطر ويبقى فترة ، ويكون في بعض الأحيان جافا كذلك :
« وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ »
. . أي قافلة سميت سيارة من السير الطويل كالكشافة والجوالة والقناصة . . .
« فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ »
. . أي من يرد لهم الماء ويكون خبيرا بمواقعه . .
« فَأَدْلى دَلْوَهُ »
. . لينظر الماء أو ليملأ الدلو - ويحذف السياق حركة يوسف في التعلق بالدلو احتفاظا بالمفاجأة القصصية للقارئ والسامع - :
« قالَ : يا بُشْرى ! هذا غُلامٌ ! »
. . ومرة أخرى يحذف السياق كل ما حدث بعد هذا وما قيل ، وحال يوسف ، وكيف ابتهج للنجاة ، ليتحدث عن مصيره مع القافلة :
« وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً »
. .