شأن واحد من شؤون الحياة . فتوحيد الألوهية يقتضي توحيد الربوبية . والربوبية تتمثل في أن يكون الحكم للّه . . أو أن تكون العبادة للّه . . فهما مترادفان أو متلازمان . والعبادة التي يعتبر بها الناس مسلمين أو غير مسلمين هي الدينونة والخضوع والاتباع لحكم اللّه دون سواه . .
وهذا التقرير القرآني بصورته هذه الجازمة ينهي كل جدل في اعتبار الناس في أي زمان وفي أي مكان مسلمين أو غير مسلمين ، في الدين القيم أم في غير هذا الدين . . فهذا الاعتبار يعد من المعلوم من الدين بالضرورة . . من دان لغير اللّه وحكّم في أي أمر من أمور حياته غير اللّه ، فليس من المسلمين وليس في هذا الدين ، ومن أفرد اللّه سبحانه بالحاكمية ورفض الدينونة لغيره من خلائقه فهو من المسلمين وفي هذا الدين . .
وكل ما وراء ذلك تمحّل لا يحاوله إلا المهزومون أمام الواقع الثقيل في بيئة من البيئات وفي قرن من القرون ! ودين اللّه واضح . وهذا النص وحده كاف في جعل هذا الحكم من المعلوم من الدين بالضرورة . من جادل فيه فقد جادل في هذا الدين ! * ومن الإيحاءات الواردة في ثنايا القصة صورة الإيمان المتجرد الخالص الموصول كما تتجلى في قلبي عبدين صالحين من عباد اللّه المختارين : يعقوب ويوسف :
فأما يوسف فقد أشرنا من قبل إلى موقفه الأخير متجردا من كل شيء ، نافضا عنه كل شيء ، متجها إلى ربه ، مبتهلا إليه في انكسار وفي خشوع يناجيه :
« رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ ، وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ ، فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ، تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ »
. .
ولكن هذا الموقف الأخير لم يكن هو كل شيء في هذا الجانب ؛ فهو على مدار القصة يقف هذا الموقف ، موصولا بربه ، يحسه - سبحانه - قريبا منه مستجيبا له :
في موقف الإغراء والفتنة والغواية يهتف :
« معاذ اللّه ! إنه ربي أحسن مثواي . إنه لا يفلح الظالمون » . .
وفي الموقف الآخر وهو يخشى على نفسه الضعف والميل يهتف كذلك :
« رب ، السجن أحب إلي مما يدعونني إليه ، وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين » . .
وفي موقف تعريف نفسه لإخوته ، يبين فضل اللّه عليه ويشكر نعمته ويذكرها :
« قالوا : أإنك لأنت يوسف ؟ قال : أنا يوسف وهذا أخي قد منّ اللّه علينا ، إنه من يتق ويصبر فإن اللّه لا يضيع أجر المحسنين » . .
وكلها مواقف تحمل إيحاءات يتجاوز مداها حاجة الحركة الإسلامية في مكة ، إلى حاجة الحركة الإسلامية في كل فترة .
وأما يعقوب ففي قلبه تتجلى حقيقة ربه باهرة عميقة لطيفة مأنوسة في كل موقف وفي كل مناسبة ؛ وكلما اشتد البلاء شفت تلك الحقيقة في قلبه ورفت بمقدار ما تعمقت وبرزت . .
فمنذ البدء ويوسف يقص عليه رؤياه يذكر ربه ويشكر نعمته :
« وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ ، وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ ، إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ »
. .