تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1774

مساهمون:

ص١٧٧٤
وهذه مشاعر أهل الفلك ندركها :
« وَفَرِحُوا بِها »
. . وفي هذا الرخاء الآمن ، وفي هذا السرور الشامل ، تقع المفاجأة ، فتأخذ الغارين الآمنين الفرحين :
« جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ »
. يا للهول !
« وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ »
. . وتناوحت الفلك واضطربت بمن فيها ، ولاطمها الموج وشالها وحطها ، ودار بها كالريشة الضائعة في الخضم . . وهؤلاء أهلها في فزع يظنون أن لا مناص :
« وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ »
. . فلا مجال للنجاة . . عندئذ فقط ، وفي وسط هذا الهول المتلاطم ، تتعرى فطرتهم مما ألم بها من أوشاب ، وتنفض قلوبهم ما ران عليها من تصورات ، وتنبض الفطرة الأصيلة السليمة بالتوحيد وإخلاص الدينونة للّه دون سواه :
« دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ : لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ »
! وتهدأ العاصفة ويطمئن الموج ، وتهدأ الأنفاس اللاهثة ، وتسكن القلوب الطائرة ، وتصل الفلك آمنة إلى الشاطئ ، ويوقن الناس بالحياة ، وأرجلهم مستقرة على اليابسة . فما ذا ؟
« فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ! »
. . هكذا بغتة ومفاجأة ! إنه مشهد كامل ، لم تفتنا منه حركة ولا خالجة . . مشهد حادث . ولكنه مشهد نفس ، ومشهد طبيعة ومشهد نموذج بشري لطائفة كبيرة من الناس في كل جيل . ومن ثم يجيء التعقيب تحذيرا للناس أجمعين :
« يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ »
. . سواء كان بغيا على النفس خاصة ، بإيرادها موارد التهلكة ، والزج بها في ركب الندامة الخاسر بالمعصية ؛ أو كان بغيا على الناس فالناس نفس واحدة . على أن البغاة ومن يرضون منهم البغي يلقون في أنفسهم العاقبة . والبغي لا يتمثل في أبشع ولا أشنع من البغي على ألوهية اللّه سبحانه ، واغتصاب الربوبية والقوامة والحاكمية ومزاولتها في عباده . والناس حين يبغون هذا البغي يذوقون عاقبته في حياتهم الدنيا ، قبل أن يذوقوا جزاءه في الدار الآخرة . يذوقون هذه العاقبة فسادا في الحياة كلها لا يبقى أحد لا يشقى به ، ولا تبقى إنسانية ولا كرامة ولا حرية ولا فضيلة لا تضارّ به . إن الناس إما أن يخلصوا دينونتهم للّه . وإما أن يتعبدهم الطغاة . والكفاح لتقرير ألوهية اللّه وحدها في الأرض ، وربوبية اللّه وحدها في حياة البشر ، هو كفاح للإنسانية وللحرية وللكرامة وللفضيلة ، ولكل معنى كريم يرتفع به الإنسان على ذل القيد ، ودنس المستنقع ، وامتهان الكرامة ، وفساد المجتمع ، ودناءة الحياة !