بسم اللّه الرّحمن الرّحيم هذا الجزء الثامن مؤلف من شطرين : الشطر الأول هو بقية سورة الأنعام - التي سبق شطرها الأول في الجزء السابع - والشطر الثاني هو من سورة الأعراف . .
ولقد سبق التعريف بسورة الأنعام في الجزء السابع ؛ وسنحاول هنا أن نصل قارئ هذا الجزء بالتعريف الذي تضمنه ذلك الجزء . أما الكلام عن سورة الأعراف فسيجيء في موضعه - إن شاء اللّه - عندما نواجه السورة .
تمضي بقية سورة الأنعام على منهج السورة الذي أوضحناه في التعريف بها في الجزء السابع . والذي يحسن أن نشير إليه ملخصا في فقرات مجملة :
جاء في التعريف بالسورة هذه الفقرات :
« إنها - في جملتها - تعرض « حقيقة الألوهية » . تعرضها في مجالي الكون والحياة . كما تعرضها في مجالي النفس والضمير . . وتعرضها في مجاهيل هذا الكون المشهود ، كما تعرضها في مجاهيل ذلك الغيب المكنون . .
وتعرضها في النشأة الكونية ، والنشأة الحيوية ، والنشأة الإنسانية ؛ كما تعرضها في مصارع الغابرين ، واستخلاف المستخلفين . . وتعرضها في مشاهد الفطرة وهي تواجه الكون ، وتواجه الأحداث ، وتواجه النعماء والضراء ؛ كما تعرضها في مظاهر القدرة الإلهية والهيمنة في حياة البشر الظاهرة والمستكنة ، وفي أحوالهم الواقعة والمتوقعة . .
وأخيرا تعرضها في مشاهد القيامة ، ومواقف الخلائق ، وهي موقوفة على ربها الخالق . . .
« هكذا تطوّف السورة بالقلب البشري في هذه الآماد والآفاق ، وفي هذه الأغوار والأعماق . . ولكنها تمضي في هذا كله على منهج القرآن المكي - الذي أسلفنا الحديث عنه في الصفحات السابقة « 1 » - وعلى منهج القرآن كله . . إنها لا تهدف إلى تصوير « نظرية » في العقيدة ، ولا إلى جدل لاهوتي يشغل الأذهان والأفكار . .
إنما تهدف إلى تعريف الناس بربهم الحق ، لتصل من هذا التعريف إلى تعبيد الناس لربهم الحق . . تعبيد ضمائرهم وأرواحهم ، وتعبيد سعيهم وحركتهم ، وتعبيد تقاليدهم وشعائرهم ، وتعبيد واقعهم كله لهذا السلطان المتفرد . .
سلطان اللّه الذي لا سلطان غيره في الأرض ولا في السماء .
« ويكاد اتجاه السورة كله يمضي إلى هذا الهدف المحدد . . من أولها إلى آخرها . . فاللّه هو الخالق . واللّه هو الرازق ، واللّه هو المالك . واللّه هو صاحب القدرة والقهر والسلطان . واللّه هو العليم بالغيوب والأسرار . واللّه هو الذي يقلب القلوب والأبصار كما يقلب الليل والنهار . . وكذلك يجب أن يكون اللّه هو الحاكم في حياة
هامش
( 1 ) إشارة إلى ما سبق في التعريف بالقرآن المكي جملة في الجزء السابع : ص 1004 - 1015