تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1230

مساهمون:

ص١٢٣٠
الإنكار كله له ؛ حتى يعترف الناس أن لا إله لهم إلا اللّه ، ولا رب لهم إلا اللّه ، ولا حاكم لهم إلا اللّه ، ولا مشرع لهم إلا اللّه . كما أنهم لا يتوجهون بالشعائر لغير اللّه . . وإن التوحيد - على إطلاقه - لهو القاعدة الأولى التي لا يغني غناءها شيء آخر ، من عبادة أو خلق أو عمل . . من أجل ذلك تبدأ الوصايا كلها بهذه القاعدة :
« أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً »
. . وينبغي أن نلتفت إلى ما قبل هذه الوصايا ، لنعلم ما ذا يراد بالشرك الذي ينهى عنه في مقدمة الوصايا - لقد كان السياق كله بصدد قضية معينة - قضية التشريع ومزاولة حق الحاكمية في إصداره - وقبل آية واحدة كان موقف الإشهاد الذي يحسن أن نعيد نصه :
« قُلْ : هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا . فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ . وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ، وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ، وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ »
. . يجب أن نذكر هذه الآية ، وما قلناه عنها في الصفحات السابقة لندرك ما ذا يعني السياق القرآني هنا بالشرك الذي ينهى عنه ابتداء . . إنه الشرك في الاعتقاد ، كما أنه الشرك في الحاكمية . فالسياق حاضر ، والمناسبة فيه حاضرة . . ونحن نحتاج إلى هذا التذكير المستمر ، لأن جهود الشياطين في زحزحة هذا الدين عن مفهوماته الأساسية ، قد آتت ثمارها - مع الأسف - فجعلت مسألة الحاكمية تتزحزح عن مكان العقيدة ، وتنفصل في الحس عن أصلها الاعتقادي ! ومن ثم نجد حتى الغيورين على الإسلام ، يتحدثون لتصحيح شعيرة تعبدية ؛ أو لاستنكار انحلال أخلاقي ؛ أو لمخالفة من المخالفات القانونية . ولكنهم لا يتحدثون عن أصل الحاكمية ، وموقعها من العقيدة الإسلامية ! يستنكرون المنكرات الجانبية الفرعية ، ولا يستنكرون المنكر الأكبر ؛ وهو قيام الحياة في غير التوحيد ؛ أي على غير إفراد اللّه - سبحانه - بالحاكمية . . إن اللّه قبل أن يوصي الناس أي وصية ، أوصاهم ألا يشركوا به شيئا . في موضع من السياق القرآني يحدد المعنيّ بالشرك الذي تبدأ بالنهي عنه جميع الوصايا ! إنها القاعدة التي يرتبط على أساسها الفرد باللّه على بصيرة ، وترتبط بها الجماعة بالمعيار الثابت الذي ترجع إليه في كافة الروابط ؛ وبالقيم الأساسية التي تحكم الحياة البشرية . . فلا تظل نهبا لريح الشهوات والنزوات ، واصطلاحات البشر التي تتراوح مع الشهوات والنزوات . .
« وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً . وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ »
. . إنها رابطة الأسرة بأجيالها المتلاحقة - تقوم بعد الرابطة في اللّه ووحدة الاتجاه - ولقد علم اللّه - سبحانه - أنه أرحم بالناس من الآباء والأبناء . فأوصى الأبناء بالآباء ، وأوصى الآباء بالأبناء ؛ وربط الوصية بمعرفة ألوهيته الواحدة ، والارتباط بربوبيته المتفردة . وقال لهم : إنه هو الذي يكفل لهم الرزق ، فلا يضيقوا بالتبعات تجاه الوالدين في كبرتهما ؛ ولا تجاه الأولاد في ضعفهم ، ولا يخافوا الفقر والحاجة فاللّه يرزقهم جميعا . .
« وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ »
. . ولما وصاهم اللّه بالأسرة ، وصاهم بالقاعدة التي تقوم عليها - كما يقوم عليها المجتمع كله - وهي قاعدة