في سبيله لتكون كلمة اللّه هي العليا ، وليكون الدين كله للّه . فقد باع المؤمن للّه في تلك الصفقة نفسه وماله مقابل ثمن محدد معلوم ، هو الجنة : وهو ثمن لا تعدله السلعة ، ولكنه فضل اللّه ومنّه :
« إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ، يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ، وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ . وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ؟ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ ، وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ »
.
والذين باعوا هذه البيعة ، وعقدوا هذه الصفقة هم صفوة مختارة ، ذات صفات مميزة . . منها ما يختص بذوات أنفسهم في تعاملها المباشر مع اللّه في الشعور والشعائر ؛ ومنها ما يختص بتكاليف هذه البيعة في أعناقهم من العمل خارج ذواتهم لتحقيق دين اللّه في الأرض من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام على حدود اللّه في أنفسهم وفي سواهم :
« التَّائِبُونَ ، الْعابِدُونَ ، الْحامِدُونَ ، السَّائِحُونَ ، الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ ، الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ . وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ »
.
والآيات التالية في السياق تقطع ما بين المؤمنين الذين باعوا هذه البيعة وعقدوا هذه الصفقة ، وبين كل من لم يدخلوا معهم فيها - ولو كانوا أولى قربى - فقد اختلفت الوجهتان ، واختلف المصيران ، فالذين عقدوا هذه الصفقة هم أصحاب الجنة ، والذين لم يعقدوها هم أصحاب الجحيم . ولا لقاء في دنيا ولا في آخرة بين أصحاب الجنة وأصحاب الجحيم . وقربى الدم والنسب إذن لا تنشئ رابطة ، ولا تصلح وشيجة بين أصحاب الجنة وأصحاب الجحيم :
« ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ - وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى - مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ . وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ . إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ »
. .
* وولاء المؤمن يجب أن يتمحض للّه الذي عقد معه تلك الصفقة ؛ وعلى أساس هذا الولاء الموحد تقوم كل رابطة وكل وشيجة - وهذا بيان من اللّه للمؤمنين يحسم كل شبهة ويعصم من كل ضلالة - وحسب المؤمنين ولاية اللّه لهم ونصرته ؛ فهم بها في غنى عن كل ما عداه ، وهو مالك الملك ولا قدرة لأحد سواه :
« وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ ، إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ، إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، يُحْيِي وَيُمِيتُ ، وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ »
.
* ولما كانت هذه طبيعة تلك البيعة ؛ فقد كان التردد والتخلف عن الغزوة في سبيل اللّه أمرا عظيما ، تجاوز اللّه عنه لمن علم من نواياهم الصدق والعزم بعد التردد والتخلف ؛ فتاب عليهم رحمة منه وفضلا :
« لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ ، مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ؛ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ . وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ، وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ ، وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ؛ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ »
. .
* ومن ثم بيان محدد لتكاليف البيعة في أعناق أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب ؛ أولئك القريبون من رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - الذين يؤلفون القاعدة الإسلامية ، ومركز الانطلاق الإسلامي ؛ واستنكار لما وقع منهم من تخلف ؛ مع بيان ثمن الصفقة في كل خطوة وكل حركة في تكاليف البيعة :