تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1685

مساهمون:

ص١٦٨٥
« رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ »
. .
« لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ »
. . وهم طراز آخر غير ذلك الطراز . .
« جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ »
. . فنهضوا بتكاليف العقيدة ، وأدوا واجب الإيمان ؛ وعملوا للعزة التي لا تنال بالقعود
« وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ »
. . خيرات الدنيا والآخرة ، في الدنيا لهم العزة ولهم الكرامة ولهم المغنم ولهم الكلمة العالية . وفي الآخرة لهم الجزاء الأوفى ، ولهم رضوان اللّه الكريم
« وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ »
. . الفلاح في الدنيا بالعيش الكريم القويم والفلاح في الآخرة بالأجر العظيم :
« أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها »
. .
« ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ »
.
« وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ ، وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ »
. . فأما الأولون فهم ذوو الأعذار الحقيقية فلهم عذرهم إن استأذنوا في التخلف ، وأما الآخرون فقعدوا بلا عذر . قعدوا كاذبين على اللّه والرسول . وهؤلاء ينتظر الذين كفروا منهم عذاب أليم . أما الذين يتوبون ولا يكفرون فمسكوت عنهم لعل لهم مصيرا غير هذا المصير . وأخيرا يحدد التبعة . فليس الخروج ضربة لازب على من يطيقون ومن لا يطيقون . فالإسلام دين اليسر ولا يكلف اللّه نفسا إلا وسعها . والذين عجزوا عن النفرة لا تثريب عليهم ولا مؤاخذة لهم ، لأنهم معذورون :
« لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى ، وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ . ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ »
. ليس على الضعفاء العاجزين عن القتال لعلة في تكوينهم ، أو لشيخوخة تقعدهم ؛ ولا على المرضى الذين لا يستطيعون الحركة والجهد ؛ ولا على المعدمين الذين لا يجدون ما يتزودون به . . ليس على هؤلاء حرج إذا تخلفوا عن المعركة في الميدان ، وقلوبهم مخلصة للّه ورسوله ، لا يغشون ولا يخدعون ، ويقومون بعد ذلك بما يستطيعونه - دون القتال - من حراسة أو صيانة أو قيام على النساء والذرية في دار الإسلام ، أو أعمال أخرى تعود بالنفع على المسلمين . ليس عليهم جناح ، وهم يحسنون بقدر ما يستطيعون ، فلا جناح على المحسنين ، إنما الجناح على المسيئين . ولا جناح كذلك على القادرين على الحرب ، ولكنهم لا يجدون الرواحل التي تحملهم إلى أرض المعركة . فإذا حرموا المشاركة فيها لهذا السبب ، ألمت نفوسهم حتى لتفيض أعينهم دموعا ، لأنهم لا يجدون ما ينفقون . وإنها لصورة مؤثرة للرغبة الصحيحة في الجهاد ، والألم الصادق للحرمان من نعمة أدائه . وإنها لصورة واقعة حفظتها الروايات عن جماعة من المسلمين في عهد الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - تختلف الروايات في تعيين أسمائهم ، ولكنها تنفق على الواقعة الصحيحة . روى العوفي عن ابن عباس : « وذلك أن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أمر الناس أن ينبعثوا غازين معه ، فجاءته عصابة من أصحابه فيهم عبد اللّه بن مغفل بن مقوى المازني ، فقالوا : يا رسول اللّه احملنا ، فقال لهم : « واللّه لا أجد ما أحملكم عليه » فتولوا وهم يبكون ، وعز عليهم أن يجلسوا عن الجهاد ولا يجدون نفقة ولا محملا : فلما رأى اللّه حرصهم على محبته ومحبة رسوله أنزل عذرهم في كتابه . وقال مجاهد : نزلت في بني مقرن من مزينة .
في ظلال القرآن — صفحة 1685 | سيد قطب