تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1638

مساهمون:

ص١٦٣٨
« ومن المعلوم أن بعض النصارى الذين قالوا : إن المسيح ابن اللّه كانوا من اليهود . وقد كان ( فيلو ) الفيلسوف اليهودي الإسكندري المعاصر للمسيح يقول : إن اللّه ابنا هو كلمته التي خلق بها الأشياء . فعلى هذا لا يبعد أن يكون بعض المتقدمين على عصر البعثة المحمدية قد قالوا : إن عزيرا ابن اللّه بهذا المعنى » . . ومن هذا البيان يتضح ما وراء حكاية القرآن لقول اليهود هذا - في هذه المناسبة التي يتوخاها السياق - فهي تقرير حقيقة ما عليه فريق من أهل الكتاب من فساد الاعتقاد ، الذي لا يتفق معه أن يكونوا مؤمنين باللّه ، أو أن يكونوا يدينون دين الحق . وهذه هي الصفة الأساسية التي قام عليها حكم القتال . وإن يكن القصد من القتال ليس هو إكراههم على الإسلام ؛ وإنما هو كسر شوكتهم التي يقفون بها في وجه الإسلام ؛ واستسلامهم لسلطانه ليتحرر الأفراد - في ظل هذا الاستسلام - من التأثر بالضغوط التي تقيد إرادتهم في اختيار دين الحق من غير إكراه من هنا أو من هناك . أما قول النصارى « المسيح ابن اللّه » وأنه ثالث ثلاثة فهو - كما قلنا - شائع مشهور ، وعليه جميع مذاهبهم منذ أن حرف بولس رسالة المسيح القائمة على التوحيد كبقية الرسالات ؛ ثم أتمت تحريفها المجامع المقدسة ، وقضت على أصل فكرة التوحيد قضاء نهائيا ! وسنكتفي مرة أخرى بنقل ملخص جيد في عقائد النصارى عن تفسير المنار للأستاذ الشيخ محمد رشيد رضا - جاء فيه بعنوان : « ثالوث :
Trinite - y
» « كلمة تطلق عند النصارى على وجود ثلاثة أقانيم معا في اللاهوت تعرف بالأب والابن والروح القدس ، وهذا التعليم هو من تعاليم الكنيسة الكاثوليكية والشرقية وعموم البروتستانت إلا ما ندر ، والذين يتمسكون بهذا التعليم يذهبون إلى أنه مطابق لنصوص الكتاب المقدس ، وقد أضاف اللاهوتيون إليه شروحا وإيضاحات اتخذوها من تعاليم المجامع القديمة وكتابات آباء الكنيسة العظام . وهي تبحث عن طريقة ولادة الأقنوم الثاني وانبثاق الأقنوم الثالث ، وما بين الأقانيم الثلاثة من النسبة ، وصفاتهم المميزة وألقابهم . ومع أن لفظة ثالوث لا توجد في الكتاب المقدس ، ولا يمكن أن يؤتى بآية من العهد القديم تصرح بتعليم الثالوث ، قد اقتبس المؤلفون المسيحيون القدماء آيات كثيرة تشير إلى وجود صورة جمعية في اللاهوت ؛ ولكن إذ كانت تلك الآيات قابلة لتفاسير مختلفة كانت لا يؤتى بها كبرهان قاطع على تعليم الثالوث بل كرموز إلى الوحي الواضح الصريح الذي يعتقدون أنه مذكور في العهد الجديد . وقد اقتبس منه مجموعان كبيران من الآيات كحجج لإثبات هذا التعليم ( أحدهما ) الآيات التي ذكر فيها الأب والابن والروح القدس معا ( والآخر ) التي ذكر فيها كل منهم على حدة والتي تحتوي على نوع أخص صفاتهم ونسبة أحدهم إلى الآخر . « والجدال عن الأقانيم في اللاهوت ابتدأ في العصر الرسولي . وقد نشأ على الأكثر عن تعاليم الفلاسفة الهيلانيين والغنوسطيين فإن ثيوفيلوس أسقف أنطاكية في القرن الثاني استعمل كلمة « ترياس » باليونانية ، ثم كان « ترتليانوس » أول من استعمل كلمة « ترينيتاس » المرادفة لها ومعناها الثالوث ، وفي الأيام السابقة للمجمع النيقاوي حصل جدال مستمر في هذا التعليم وعلى الخصوص في الشرق ؛ وحكمت الكنيسة على كثير من الآراء بأنها أراتيكية « 1 » ومن جملتها آراء الأبيونيين الذين كانوا يعتقدون أن المسيح إنسان محض
هامش
( 1 ) المراد بالأراتيكية المبتدعة ، من الأرتقة ، والأشهر الهرتقة ، وبعضهم يقول : هرطقة بقلب التاء طاء وأصله تفخيمها .